عفاف حداد

يموج “تويتر” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي بكثير من النقاشات والحوارات حول الغناء، وموقف الإسلام منه، وما يتبع ذلك من حكم سماع الموسيقى، وغيرها. ولست هنا بصدد إصدار فتوى، فلست مخولة بذلك، كما أنني لا أهدف إلى التفصيل في بيان حكم الغناء، وأقوال العلماء فيه ما بين محرِّمٍ، ومجيزٍ بشروط، أو مجيزٍ بغيرها، لكن ما شدَّني كثيراً للتعليق على تلك الحوارات، التي قد تصل إلى معارك، تنتهي في أغلبها بـ “بلوك” للمخالفين، واتهام يصل إلى تكفير المجيزين من قِبل الـ “مانعين”، ورمي بـ “التنطع والتشدد” من المجيزين لـ “المانعين”، هو تلك الحجة التي يسوقها مانعو الغناء بقولهم: إنه لا خير في الغناء إنما الخير في القرآن. أو ما يعبِّرون عنه بشكل آخر عبر إيرادهم البيت التالي:

حب قرآن وحب ألحان
في قلب عبد ليس يجتمعان

وهنا أتساءل: لماذا يتم إيراد هذه المفاضلة لإثبات حرمة الغناء؟! لماذا يقع القرآن في مفاضلة، ومقارنة مع الغناء لا مجال لوجودهما أصلاً؟! فلا يُعقل أن يقول أحد ما: إن الغناء، محرَّماً كان أو حلالاً، أفضلُ من القرآن، فهو كلام الله تعالى المتعبد بتلاوته، وتكفَّل تبارك وتعالى بحفظه. بصراحة هذه مقارنة لا تروق لي، ولا ينبغي أن يسوقها محرِّمو الغناء، لأنهم بهذا يقلِّلون من قدر القرآن من حيث لا يعلمون، إذ لا جدال، ولا اختلاف بين أحدٍ، عالماً كان أو أمياً، يعيش في قريته، في أن القرآن أفضل، وأعلى، وأجلُّ من غناء البشر وكلامهم. وما يحيرني حقاً هو: لماذا يرى الـ “مانعون” في كل حوار ضرورة إيراد هذه الحجة؟ هل يظنون أن مَنْ يرى بأدلة بحثها، ورأى صحتها، وقوة دلالتها على جواز الغناء، يريد بذلك “سحب” قداسة القرآن ومنحها إلى الغناء؟ كيف تبادر إلى ذهنهم هذا الشيء ولو للحظة؟! قد يقول قائل: إن مَنْ يجيز الغناء بالتأكيد سيترك القرآن، وينشغل به، لهذا يقدمون هذه الحجة لتكون دليلاً على مآلات مستقبلية لإجازة الغناء، مبنية على سوء الظن وحده. أخبرونا مَنْ قال لكم هذا؟! وعلى أي دليل، أو “إحصائية دامغة”، أو عقلية فذَّة، تستندون في ذلك؟! إن مَنْ يحب الله تعالى لن يستبدل كتابه بأي شيء سواء كان غناءً، أو جوالاً، أو شغفاً بكرة قدم، أو هواية من الهوايات، ينبذ لأجلها كتاب الله، ويتركه وراء ظهره. هل تعتقدون أن مَنْ يجيز الغناء سيظل يسمعه “ليل نهار”، ولن تمس يداه كتاب الله؟ حسناً، هناك كثيرون ينشغلون عن كتاب الله، ويهجرونه ليس لأجل الغناء، إنما لأسباب كثيرة منها: جدول أعمالهم، ونمط حياتهم المزدحم. مَنْ يهجر القرآن لن يهجره فقط بسبب الغناء، ومَنْ مات قلبه عن حب كتاب ربه لم يمت بسبب الغناء فقط، فلِمَ كل هذا التضخيم غير المعقول للغناء، وكأنه سيكون أحد أركان هدم الدين، في حال تم إجازته؟! إن القرآن الكريم، يا مَنْ ترون أن الغناء يستطيع ببساطة سحب البساط من تحته، والإطاحة بمكانته من قلب المؤمن، هو كلام الخالق، وتلاوته، وتجويده، والعمل به، وتحريم حرامه، وتحليل حلاله، هو شرع ودين لن تمحو مكانته ببساطة أغنية، أو موسيقى.
أكرموا القرآن، وترفَّعوا به عن هذه المهاترات الفارغة، وأقول لـ “المانعين”: لديكم كل الحق والحرية في الأخذ برأي التحريم والمنع؛ لكن ليس لكم الحق في المبالغة غير المبررة في تصوير الغناء وكأن الدين قائم فقط على تحريمه برأيكم، وأدلتكم، أو أنه من الموبقات والكبائر، أو أن أحد أركان الدين يحكم على مجيزه وسامعه بالخروج منه، إذ إنه لو كان الأمر كذلك لما تجرأ على القول بجوازه علماء لا يمكن إغفال مكانتهم وأدلتهم. لقد أخذت مسألة الغناء حيزاً كبيراً من الصراع الفقهي بين أتباع الفريقين، وهي مسألة تنطلق بمجرد ظهور طرف من أحد الفريقين في حوار أسهم التكفير و”التفسيق” من الطرف الآخر له، ضاربين بذلك ضرورة، ووجوب الحفاظ على الأخوة الاسلامية، والتواد، والتكاتف بين المسلمين عرض الحائط، مشرِّعين للشيطان، والأعداء أبواباً يلج منها الحقد، والبغضاء، والشحناء إليهم. ومن خطورة الأمر أيضاً أن يلجأ الـ “مانعون” إلى نشر أحاديث ضعيفة، أو “منكرة” تقويةً لرأيهم، ودحضاً لمخالفيهم، مثل الحديث الذي يزعمون أنه حديث نبوي: مَنْ استمع إلى قينة صب في أذنه الآنك. أي الرصاص المذاب. بالتأكيد سمعتم هذا الحديث وأنتم على مقاعد الدراسة، وعانيتم مثلي ومثل كثيرين من كوابيس مخيفة. مع الأسف الشديد، مازال كثير من الدعاة في المساجد والمدارس والملتقيات الدعوية يوردونه دون تثبت.
أيها الـ “مانعون”، والمجيزون: للقرآن منزلته، التي أؤمن تمام الإيمان بأن “ملء الأرض” من أشرطة الغناء لن تُنقص من مكانته أبداً، فكفُّوا عن هذه المقارنات الفارغة، وحافظوا على أخوة الدين، وتآلف المجتمع لأنكم ستحاسبون على نشر التفرقة والبغضاء بين المسلمين، فيكفي أمتنا ما تعانيه من ويلات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥١٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٨-٠١-٢٠١٦)