أحمد عبدالحميد القاري

صرح طبي عظيم بتجهيزات متكاملة ومساحات هائلة خصصتها الدولة الكريمة لخدمة المواطنين والمقيمين تلبية لنداءات الإنسانية واستجابة لأقصى درجات الإسعافات وتوفير أسباب الشفاء والحياة الصحية الكريمة.. غير أن بعض القائمين عليها والعاملين فيها روبوتات! أن يلزم لإنهاء حالة خروج من المستشفى المرور على عشرات المكاتب المغلقة أو المفتوحة لكن بلا موظف.. وأن يستغرق البحث ساعاتٍ عن طفل وليد محتجز في الحضانة في طابق ما من طوابق المستشفى الضخم لهو أمر يشعرك بأن الصحة بحاجة إلى صحة. وفي خضم الانفعال والتوتر اللذين يلازمان والدَي الطفل المفقود، والبرود الممزوج باللامبالاة من قبل بعض موظفات التمريض المختبئات خلف الكاونترات وهنّ يتبادلن رسائل الوسائط بالأجهزة الذكية وسط الضحكات واستغراب المراجعين يتأجج غضب هادر، ليتمخض عن مطالبات ملحة بضرورة توعية موظفات الصحة وتعريفهن بمعنى الحياة وأهميتها وذلك قبل تكاثر الإعاقات وتزايد حالات الوفاة «قضاءً وقدراً».
تلك المساحات الهائلة والغرف الكثيرة جداً في مباني مستشفيات الولادة تضيق وتضيق أكثر عند اقتراب ساعات الطلق .فترقد المرأة في مخاضها إلى جنب نساء يتمخضن أيضاً، ولكم أن تتخيلوا خليط الأصوات المرعبة التي تصدر منهن قبل الولادة وأثنائها.. فتضعف من هلعهن وجزعهن. ألا يمكن معالجة هذه السلبية بتفريقهن في المضاجع أو فصل الأسرّة بعازل للصوت رحمة بهن؟ أن تكون عبارة «النظام ما يسمح» شماعةً يُعلق عليها الكسل والإهمال وجهلُ الموظف بالتعليمات والتعاميم لهو أمرٌ ترفضه الوزارة حتماً ونقضٌ صريح لمعايير الجودة التي تسعى وزارة الصحة وأخواتها لتحقيق سموَّ معانيها. فالموظف الذي وظفته الدولة في موقع ما مكلف بخدمة موقعه لا إرهاق الناس والإساءة إلى إدارته، حين يترك مقعده فارغاً أو يحوّل المراجعَ عشوائياً إلى مكتب آخر، أو يكتفي بعبارة: «روح للمدير» دون النظر إليك ولو مجاملة! فعلامَ يتقاضي راتبه؟ لقاء الإنجاز أم الإعجاز! ليس منطقياً أن يلجأ جميعُ المراجعين إلى إدارة المستشفى التي تقوم بجهود فوق طاقتها -مشكورة مأجورة على ذلك- بسبب عزو الموظفين المعاملات إليها إما لجهلهم بالأنظمة أو لفقدان روح التصرف في الأزمات أو عدم تمتع بعضهم بأدبيات الحوار وأبجديات الأخلاق. يفطر القلبَ ذلك التبلدُ الذي لوى أذرعةَ العطاء في وطنٍ سخي يُغدق بالرحمة ويمنح بلا حدود، وخفتَ معه صوتُ الإنسانية حتى بدا وكأنه جُرم. إن من أشد الخيباتِ أن يُسند الأمر إلى غير أهله وتُترك الدفة في يد «الغشيم» فيَخرِق السفينةَ ويُغرقَ أهلها. إنه الواقع الذي يلمسه كل من وقف في طابور المستشفيات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥١٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٣٠-٠١-٢٠١٦)