نوير الهاجري

في قديم الزمان، كان ما يحرك الشعوب، ويثير توجهاتها، ويؤثر فيها؛ خِطابات الرؤساء، أو الحكماء من أفرادها.. ولم تكن أي خطابات، بل كانت تلتمس الأوتار الحساسة لتلك الشعوب، وترمي سِهامها مترصدة نواصيهم، حتى تصيب الهدف. كما لو أن صائدا قد اشتهى غزالاً فأصابها. حيثُ كان خِطاباً واحداً، أو رسالة واحدة تقيم حرباً أو تنهيها وتشعل ثورة أو تُصمتها.. فقد كان أثرها جليلا بليغا، لم يشعر به سوى الماضين من أهلها، والتاريخ يشهد. في أزمات الحروب، كانت الرئاسة القائمة على الجيش تهيئ رجالاً أو شُعاراً من ذوي الكلامٍ المتزنٍ الحكيم، الذي يحوي الهجاء أحيانا، والمدح أحيانا أخرى، مما يشعل ثوران الجنود وحماستهم فيشتدون في القتال، و كان هذا الأسلوب نوعا من الأساليب التي كان يستخدمها رسولنا –صلى الله عليه و سلم- مع صحابته خصوصاً وجنوده عموماً في وقت المعارك والفتوحات، فتعاقبت الأزمان عليه، حتى تطور مع كُلّ زمن وما يحتويه. أما في وقتنا الحاضر، فلا خطابات ولا أحاديث ولا أشعار تلعب دوراً مهماً وحاسماً في الميادين، بل الإعلام بأكمله قد بدأ بصناعة الكثير، فبدلاً من أن تكون حربا واحدة، باتت الآن حربين؛ حرب ميدان وحرب إعلام ، فما يُذاع بالشاشات، وما يُقرأ في الصحف، وما يُسمع بالإذاعات، بات ذا تأثير جسيم في نفوس المواطنين والجنود. وأقرب حرب إعلامية يشهدها التاريخ الآن هي حرب مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يخفى على أحد، كيف أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت تشغل الجميع بلا استثناء، بل وغدت من أهم منابر المتحدثين والناشرين، ومنبرا فسيحا لطرح القضايا، والإدلاء بمختلف الآراء، فتجد فيها التطبيل للمخربين، والنصرة للمصلحين. وفي الوقت الراهن، ما تشهده مملكتنا الحبيبة، وبالأخص منطقة الحد الجنوبي من حرب، وهي عاصفة الحزم وما تبعها من إعادة الأمل، التي تهدف بها البلاد لنصرة اليمن المظلومة تحت سيطرة الظالمين المفسدين وذلك بردّ كيدهم لنحورهم، و إبطال كلمتهم، ورفع كلمة العدالة والحقّ. أشد ما يحتاجه جنودنا الآن من بعد الدعاء هو النُصرة، ومن أمثل صورها نصرتهم في جميع المجالس، والإقرار بعظيم صنعهم وتضحيتهم، حتى أن نفوس بعضهم قد أُزهقت، فنساؤهم قد رُملن، وأبناؤهم قد يُتموا، ونحن ننعم في بيوتنا ومدننا ومرافقنا آمنين مستقرين، وهم يشهدون الويل هناك من صور القتلى والشهداء وصواعق الصواريخ والنيران في كل يوم و ليلة، ليصبروا ويتصبروا ويرابطوا، في الحر الشديد، والبرد الزمهرير. بلا أفٍ أو جزعٍ أو حتى كسل. على الشباب والمواطنين، أن ينصروا هؤلاء الجنود بكل ما يملكون من قدرة، وعلم وما يملكون من سيطرة. خِتاماً فمواقع التواصل الاجتماعي، نعمة غنية لم تتوفر سابقاً قبل زماننا هذا، فلنسخرها لخدمة ديننا، ووطننا، ونجعلها نعمة لنا لا نقمة علينا تدمر شبابنا، وتدنس ثمرة فراغهم بما لا ينفع ولا يغني من جوع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٢٢) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠٢-٢٠١٦)