* لن يقنعنا أحد بأن الجريمة لم يتم الترتيب لها قبل زيارة طلحة، وأن الزيارة ليست إلا تغطية على المخطط المدبر له. ربما تم إقناعه بالغداء مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولقاء الحور العين اللاتي يتخاطرن في مخيلته قبل تنفيذه جريمته النكراء، فباع نفسه وأهله ووطنه، وراح يسفك الدماء مسرعاً الخطى

كأننا أمام مشهد دموي ليس له نهاية، يحصد أرواح الأبرياء، الذين يقصدون بيوت الله للصلاة والدعاء بالمغفرة والرحمة، وثمة مَنْ لا يرى في هذه الصلوات دليلاً على إيمان أصحابها وخشوعهم، ليفاجئهم في المحراب بجسد، يطوِّقه حزام ناسف، يحوِّله إلى شظايا متناثرة، يختلط فيها دمه بدماء أولئك الذين دخلوا آمنين مطمئنين، وهم في حضرة المسجد.
لا نعرف أي نوع من أنواع الحقد والضغينة ذلك الذي يعشعش في رؤوس مَنْ دبروا الأمر بليل مظلم، وأرسلوا انتحاريَّين، يفتكان بجموع المصلين في مسجد الرضا بحي محاسن في الأحساء بالمنطقة الشرقية، ليسيل الدم الطاهر فوق سجادة الصلاة، ولا نعرف ماهية مسحوق الغسيل الذي تم به تطيير عقول الشباب ليذهبوا إلى حتفهم، وليمارسوا القتل بهذه الطريقة البشعة المقززة، والمرفوضة من كل شخص في رأسه ذرة عقل. مَنْ أقنع الانتحاري عبدالله التويجري، الذي فجَّر نفسه أمام مسجد الرضا بأن الحور العين في انتظاره صفوفاً متراصة، يتلهفن لإشارة منه، لينقضن عليه تباعاً، ويقضين وطرهن منه؟ ألم يدرك أن هذا الفعل الشنيع يُدخله جهنم بدلاً من نعيم الجنة، الذي يتخيله في دماغه المغسول؟ لقد أحسن فعلاً والده عندما جاء معزياً أهل الأحساء، الذين فُجعوا بأحبتهم بسبب هذا الابن الضال، وقد قالها والد الانتحاري في العزاء: «هذا أنا.. أما ابني فقد ضل الطريق». ولم يخطئ والد الانتحاري في وصف ابنه عبدالله. ولا نعرف من أقنع الشاب المصري طلحة هشام محمد عبده، القادم من مصر في زيارة قصيرة لوالده المقيم في المملكة العربية السعودية، بأن ينفذ عمله الإجرامي في بيت من بيوت الله؟! لن يقنعنا أحد بأن الجريمة لم يتم الترتيب لها قبل زيارة طلحة، وأن الزيارة ليست إلا تغطية على المخطط المدبر له. ربما تم إقناعه بالغداء مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولقاء الحور العين اللاتي يتخاطرن في مخيلته قبل تنفيذه جريمته النكراء، فباع نفسه وأهله ووطنه، وراح يسفك الدماء مسرعاً الخطى، وفي عقله المريض صورة إحداهن وهي تناديه: أقبل يا طلحة!
كأن المرور إلى الجنة في حاجة إلى كم هائل من الجثث، وأنهار من دماء الأبرياء العزَّل، التي يتم سفكها كل يوم في مختلف البلاد العربية، وكأن هذه الأمة لا ترتوي من تدفق أنهارٍ من الدم الأحمر القاني من النحور والأجساد، التي أتعبها انتظار الفرج لتعيش حياة حرة كريمة لا ينغصها مهووسون، ومتعطشون للقتل على الهوية، والإقصاء، والتهميش.
لم يدرك هؤلاء القتلة، ومشغلوهم أن الأرض التي يعيثون فيها فساداً، هي لأصحابها الذين سقوا نخيلها من روحهم الزكية، وجهدهم المبارك، وتركوا مزيداً من العرق يتصبب على جباههم الطاهرة، وهم يقطفون ثمرات النخيل رطباً جنياً، ويرسلونه مع تسلل إشراقة الفجر إلى الأسواق التي تنتظر الحصاد الطيب. لم تخطر على بالهم أفكار جهنمية، بل لم يسألوا مَنْ زرع، ومَنْ حصد، ومَنْ باع، ومَنْ اشترى تلك الثمرات، التي تشهد على أصالة الأرض، وأهلها الذين لم يكترثوا بمذهب، أو طائفة تلك النخلة، أو ذاك «الفحال» الذي لقَّحها، فالدم واحد في الأحساء، والقطيف، وأبها، والدمام كما هو في الرياض، والقصيم، التي أتى منها الانتحاري التويجري، لكنه جاء بصفته ابناً ضالاً، وليس ليربط أواصر القربى، فقام أبوه بما يليق بمواطن تجاه أخيه المواطن الموجوع في الأحساء، كما أن قيام مجموعة من الشباب المخلص، والمحب لوطنه، بمبادرة توزيع الورد على بيوت أهل الأحساء، سعياً إلى مواجهة الفتنة التي أيقظها الإرهاب بجرائمه في محراب الصلاة، وفي الطرقات، أثلجت الصدور، فقد أراد مجموعة من شباب الأحساء أن يؤكدوا، ويؤصلوا العيش المشترك، والمواطنة الواحدة بين أبناء البلد الواحد، الذي يحتمل الجميع، ويحميهم من «غالة» الزمن والغدر. وقد كانت ردود الفعل على هذه المبادرة بمقدار المبادرة نفسها، وبحجم الوطن الذي يستحق أكثر لحمايته من الانجراف نحو هاوية التعصب الأعمى، والتكفير الأكثر عمياً منه، والإرهاب الناتج عن الاثنين.
الدم الذي سال في الأحساء، وقبله في القطيف، والدمام، وعسير، والكويت، وغيرها من المناطق، يستحق وقفة جادة، وإعادة تفكير في مصير أوطاننا لحمايتها من الإرهاب، والتكفير، والتهميش. هناك ثغرات كبرى ينفد منها الإرهاب، وهناك خواصر رخوة، يدوس عليها، وهناك أيضاً مَنْ يغذي تقطيع أوصال الوطن، وتحويله إلى دويلات، تقاتل بعضها بعضاً. والمبادرات التي تمت بُعيد تفجير الأحساء، تشكِّل خطوة على الطريق الصحيح، وتحتاج إلى جهود مضاعفة، وتأصيل حقيقي لا تذروه الرياح، ولا يتراكم عليه الغبار بعد انتهاء مراسم العزاء، فإذا كانت أوطاننا تستحق منا بذل الغالي والنفيس، وهي تستحق ذلك، فليفتح الجميع ذراعيه للوحدة الوطنية المؤصلة تأصيلاً لا يخترقها حزام ناسف هنا، أو عبوة غادرة هناك، أو بوق إعلامي، يبحث بين البصلة وقشرتها ليشعل الفتنة التي لعن الله مَنْ أيقظها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٢٤) صفحة (١١) بتاريخ (٠٥-٠٢-٢٠١٦)