علي عيسى الوباري

علي عيسى الوباري

كلما حدث تغيير اجتماعي أو اقتصادي اجتهدنا في البحث عن الأسباب الخارجية للتبرير والعجز عن إيجاد الحلول رغم أنها خارج إرادتنا، ونستمر في الهروب من الواقع بإلقاء اللوم والشكوى على الظروف الخارجية كأن كل حياتنا مسيَّرة بأيدينا أو تحت سيطرتنا بالكامل نتحكم في دروبها وتقلباتها. ليس تبريراً للعوامل الخارجية مثل الظروف الاقتصادية والسياسات المالية والنقدية، لكن لا نملك إرادة في تغييرها أو حتى الحد من تأثيرها على ميزانياتنا، لذا ينبغي الاقتناع بأن أغلب حياتنا أصبحت مسيَّرة بعوامل خارجية في أعمالنا ومعيشتنا واستثماراتنا؛ فهناك قوانين وأنظمة تتحكم في حياة الأفراد والأسر، ولا نبالغ إذا قلنا إن %80 من حياة المجتمع تُحكم بعوامل خارجية في مجالات عدة ومنها الاقتصادية في ظل الحياة المكشوفة والشفافة، لا تبقى الظروف على حالها اقتصاديّاً واجتماعيّاً فالمتغير يفوق الثابت والعامل الخارجي أوضح تأثيراً، بل لا يوجد شيء تستطيع أن تسيطر عليه بإرادة مستقلة كاملة في زمن العولمة الاقتصادية.
في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية، تحولت كثير من الكماليات الحياتية إلى ضرورية بفضل ذهنية المجتمع التقليدية المتحكم فيها العقل الجمعي والنظر إلى ما في أيدي الناس. نقص الثقافة الاقتصادية والافتقار إلى الوعي الاستهلاكي دفعنا نحو الشكوى والعتاب الذي ليس بأيدينا التأثير فيه. في حالة المتغيرات الاقتصادية وتعدد المطالب المعيشية لا بد من المرونة والتعامل بواقعية، وأولى مراحل الاستجابة للظروف الخارجية هو نشر الثقافة الاقتصادية والوعي الاستهلاكي والتعرف على ما هو ضروري وكمالي في المعيشة، وإعداد ميزانية الأسرة وتعديلها حسب المتغيرات الاقتصادية، بل ينبغي الحد من الضروريات التي فرضتها المظاهر الاجتماعية. صحيح أننا لم نصل إلى مرحلة التقشف وشد الأحزمة لكن استمرارنا في التفنن باستهلاك سلع وخدمات كمالية نرضي أنفسنا بها، والاجتهاد في البحث عن مناسبات اجتماعية توهمنا بأننا نرتقي إلى مصاف المجتمعات المخملية، سيبقينا على هذه الحال في موقع الشكوى والتذمر وسيتعزز بداخلنا مركز التحكم الخارجي حتى لا نحمِّل أنفسنا جزءاً من المسؤولية ولا نقوم بما يستوجب فعله في الأوضاع الاستثنائية والتعامل بواقعية مع الحالات الاقتصادية الطارئة. الأسر في الدول المتقدمة جربت الكماليات واعتبرتها ضرورة في الرفاهية والسعادة لكنها تراجعت عن وضعها إلى حياة واقعية لكن بعد ضياع المدخرات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٢٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٦-٠٢-٢٠١٦)