ابتسام حسين الموسى

التقدم ماذا يتطلب؟ ماذا له وعلیه؟ هل التنافس على الماديات والكماليات كاف للنهوض ببنية المجتمع؟
مما نجده جلیا وواضحا ما غزا جسد المجتمع مع تواكب الحضارة من تفشي ظاهرة التنافس والتقليد بين أفراد المجتمع ولا عجب لو قلنا إن له الأثر الكبير في تغير هيكلة وجذور المجتمع وعاملا لنقلة مرئية وملموسة قشرية وجوهرية.
ففيما يتعلق بأمور الفرد الظاهرية من ملبس ومأكل ومسكن، وشؤونه الجوهریة التي تُعنَي بمنطقه وأسلوبه ولهجته وما يتعلق بتقدمه الثقافي والتعليمي من بين بقية المجتمعات.
فالملاحظ يبذل المواطن الأحسائي من جميع أطراف المجتمع أقصى أنواع الجهود للفوز بالتميز والتقدير الشخصي. وفيما يتعلق بالتنافس فإن شراء أفخم السيارات والأثاث والملابس من منتجات الماركات العالمية من أول ما يدور في فكر الأحسائي حتى أصبح في نظر بعضهم تقييم شخص ما من خلال اسم الماركة المسجلة على لوازمه ومقتنياته.
وتدرج ذلك الفكر حتى أصاب بعَدْواه الرجال ولم يقتصر الاهتمام بالكماليات والمظهر على النساء فحسب فأصبحوا يتنافسون في لبس الساعات والأقلام العالمية الطائلة الثمن، وأن يقتني الرجل شماغ المارکة الفلانية وحتى في أدق مقتنياته مسبحته وخاتمه أصبح يحرص على أن تكون من ذلك الحجر النفيس وذي القيمة الفلانية التي يفخر بها أمام أقرانه.
وقد كثرت في الآونة الأخيرة المقالات الناقدة للوضع السائد لمهووسي الماركات والمهتمين بالمظهر وما یطلق علیه الغرب (shopholic).
وكل الشواهد تدل على ما توصل له المعمار في المنطقة من التطور نتيجة التسابق والتنافس والهمة العالية والجدية الفائقة للحصول على منزل ينافس به الأصدقاء أو الأقارب ويتفوق في ذوقه على الآخرين فشهد المعمار الأحسائي قفزة كبرى من بيت الطين والموقد والروزنة والحوش والمجالس الشعبية إلى الفلل والعمارات ذات التصاميم العصرية الراقية التي تزهو جدرانها وزواياها من الخارج والداخل بالذوق العريق والأثاث الفاخر، وتعلو على هندستها ملامح المعمار العصري والتقنية الحديثة بشكل يواكب التطورات في العالم.
هناك اتفاق على أن ذلك الجري وراء الكماليات هو من الغزو الفكري الأجنبي وسياسته الذكية والماكرة لترويج سلعهم وتحسين وضعهم الاقتصادي على حساب من أغرته تلك الوسائل الترويجية والمنتجات الجذابة التي اجتذبت لب البعض حتى أصبحت الشغل الشاغل والمسيطر على الفكر والسلوك مما له دور كبير في شل حركة التقدم الفكري وتطوير الجوانب الجوهرية في الفرد.
خلاصة القول إن ذلك التنافس الشكلي وإن كان مذموما عندما يتخذه الشخص ركيزة وأساسا لبنائه الشخصي مع إهمال بناء الجوانب المعنوية في ذاته وفكره. إلا أنه قد أضفى تطورا طرديا في رونق الأحسائيين وخرج بهم من المظاهر البدائية البسيطة المهترئة إلى أشكال جميلة عصرية ومتألقة فكما تحترم الذات يجب أن يحترم المظهر فالله جميل ويحب الجمال وقد أمرنا بالتجمل قال تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} الأعراف: 32
إذا لهذا النوع من الميول بصمة في تقدم الأفراد وأثر إيجابي مع وجود سوء في المعتقد ووجود سلبيات مع الفهم الخاطئ من تقليد أعمى واعتناق طريق الماركات، إذا لابد من وضع موازنة وضوابط للاستفادة من عنصر التنافس ليصبح دعما لتقدم الأفراد والمجتمع ظاهريا دون أن يؤثر ذلك على الاقتصاد الأسري والميزانية، أو على الثقل والوزن السلوكي والفكري للفرد. فشحذ الهمم والطاقات بجد وإخلاص عطاء بلا حدود وتضحية بلا تردد في الجوانب الجوهرية والفكرية عاملاً للتقدم يتفوق في سماته على الاهتمام بالقشريات والسطحيات ’وجدير بالأحسائي هذه الالتفاتة فهناك مؤشرات تدل على حراك ثقافي علمي وتنافس لا يقف بين أهالي الأحساء لكي ينال كل فرد من أفراد الأسرة نصيبا وافرا من حصة التعليم، والتعلیم العالي إن أمکن وذلك من خلال البعثات الخارجیة والداخلیة وهذا ما كان تركيز المنافسة عليه فغالبية الطلبة في الأحساء يحاولون اللحاق في ركب البعثات والحصول على مستوى علمي عال ودراسة متميزة.
وسعى الآباء وبذلوا من الأموال والنفقات لتحسين أوضاع أبنائهم الدراسية خارج وداخل البلاد وتحقيق أهدافهم في أبنائهم في كافة التخصصات والمجالات، ومنهم من توصلوا إلى مراكز علمية مرموقة كل ذلك بفعل الرغبة والتنافس على بلوغ الأفضل.
فبعد أن كانت أبواب العلم مترعة والمقاعد الجامعية متاحة والدراسات العليا أسهل طلبا مما هي عليه الآن إلا أن الأحسائي سابقا لم يُعِرْ لهذا الجانب أي اهتمام وكان يفضل أن يرث أبناؤه الذكور مهنته ويحلوا محله في إدارة شؤون حرفته أو تجارته، وفي بعض البيوت كانوا لا يعيرون لتعليم الإناث أي اهتمام وذلك
بسبب الموروثات والتقاليد البيئية أما الآن فنجد تنافسا على الرقي بمستوى الفتيات العلمي والثقافي وابتعاثهن والاعتراف بأحقيتهن في اقتطاف ما شاءت من المجالات العلمية.
أما علی السیاق العام فقد أدی تسابق مثقفي الأحساء من خلال حراكهم الأدبي في الكتابة والقراءة والتدريب والعرض إلى قفزة ثقافية يشهد لها المترقب.
وفي الآونة الأخيرة تحرك عرق التنافس النسائي وتنامى على حجم تسابقهن على منصة التميز الثقافي حيث برز في الأحساء الأديبات والكاتبات والفنانات التشكيليات والموظفات في شتى الوجهات الرسمية، وأتيحت آفاق واسعة لتنمية المهارات والقدرات فأسست النوادي الأدبية والقصصية والمعارض التشكيلية لتشهد تقدما ثقافيا نسويا ملموسا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٢٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٧-٠٢-٢٠١٦)