عبير آل جبار

عبير آل جبار

كندا، ودول الكومنولث، تتذكر سنوياً في الـ 11 من نوفمبر من كل عام المحاربين القدامى، الذين حاربوا في الحرب العالمية الأولى، تلك الحرب التي انتهت في عام 1918م، أي قبل ما يقارب 98 عاماً، وضحى فيها جنودها بحياتهم في سبيل تحقيق الأمن والسلام، وفي بعض ولايات كندا، هو يوم عطلة رسمي، والغاية من ذلك ألا ينسى الأبناء مَنْ سعى إلى الحفاظ على أمنهم ومستقبلهم بروحه ودمه.
شهدت ذلك اليوم وأنا في مرحلة الابتعاث، حيث يضعون زهرة الخشخاش، التي اتُّخذت رمزاً لذلك اليوم، على ثيابهم، والسبب في ذلك أنها كانت تنمو في نفس أرض المعركة بعد انتهائها. وقد اعتاد السجناء على صنعها «زهرة الخشخاش» باستخدام مواد أولية يدوية، بإشراف من الحكومة الكندية عن طريق وزارة المحاربين القدامى، ثم يتم توزيعها على جميع المحلات، ويقوم بعض المحاربين القدامى بوضعها على لباسهم مع النياشين التي كُرِّموا بها، وهم يحملون صناديق، وينتشرون في محطات المترو، ويقومون بتوزيعها على الناس لقاء مبلغ زهيد، يعد تبرعاً إنسانياً واجتماعياً منهم، اجتماعياً لأن تلك الموارد المادية، يذهب نصف ريعها إلى السجناء، الذين يريدون أن يغيِّروا حياتهم، ويكونوا أفراداً صالحين، وإنسانياً لأن النصف الآخر يذهب إلى عائلات المحاربين القدامى، الذين مازالوا على قيد الحياة، ويكون دليلاً على أن الكنديين وجميع مواطني دول الكومنولث، يقدرون ما قاموا به من أجل تحقيق الأمن والسلام، الذي ينعمون به حالياً.
في الـ 11 من نوفمبر في الساعة 11:11 صباحاً، يقف الجميع دقيقة صمت، كل شخص في مكان وجوده في الشركة، أو المدرسة، أو الجامعة، أو عند قبر الجندي المجهول، حيث تقام مراسم ذلك اليوم رسمياً من قِبل الدولة، وتكون هناك كلمة مختصرة في هذا اليوم.
يستحق هذا اليوم الإشادة لأنه يساهم في ربط الأطفال بوطنهم عبر تذكر بطولات أجدادهم «الجنود» بوضع هذه الزهرة على قمصانهم، هؤلاء الجنود الذين ضحوا بأنفسهم لتصل دولهم إلى ما هي عليه الآن، لذلك يقال إن المواطن هو رجل الأمن الأول.
تذكرت في خضم ذلك أن لدينا جنوداً مرابطين في إطار عاصفة الحزم منذ عام، وآخرين من دول أخرى، يقاتلون حماية للإنسان والأمن والسلام، كما أن هناك مَنْ سبقوهم في حرب الخليج، ومنهم والدي، وحرب أكتوبر… وتساءلت: لماذا لا يقوم المجتمع بمبادرة إنسانية تجاههم تقديراً لهم؟ لماذا لا تخصص الشركات جزءاً من أرباحها سنوياً، تقدمه إلى عائلات الشهداء، وعائلات الجنود الذين لايزالون على قيد الحياة؟ لماذا لا يقوم التجار والمستثمرون سنوياً بتقديم دعم مادي لهؤلاء الجنود الأحياء، وعائلات الشهداء تقديراً لما قاموا به لنعيش حالياً بأمن وأمان في بلد مطمئن ومستقر؟ لماذا لا نختار يوماً نضع فيه زهرة الخشخاش على ثيابنا تقديراً ووفاءً لهم وذلك بمبادرة ودعم من رجال الأعمال، والشركات، والمواطنين والمقيمين؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٢٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٩-٠٢-٢٠١٦)