د. محمد خليفة التميمي -  المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

د. محمد خليفة التميمي – المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

يعتبر التعليم المستمر إحدى الركائز المهمة في اقتصاد المعرفة الذي يقوم على الاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر، وإذا كنا نتحدث عن التحول الاقتصادي فنحن ندرك أن من يخطط لهذه المرحلة لا يغيب عنه أن التعليم المستمر هو أهم المسلمات في هذه المرحلة.
وبلا شك إن تجربتنا مع التعليم المستمر هي تجربة قديمة من خلال ما كان يعرف بالمدارس الليلية وتعليم المنازل في التعليم العام، وما كان يسمى بالانتساب في التعليم العالي، وكان لهذا النوع نتائجه الجيدة في جسر الفجوة المتمثّلة في محو الأمية أو في منح الفرصة لشريحة من الموظفين التحقوا بالسلك الوظيفي المدني أو العسكري بشكل مبكّر.
ولكن المتتبع لمسار التعليم العالي في بلادنا الحبيبة، يلمس أن هناك انتكاسة حصلت في هذا المسار، بسبب بعض السياسات واللوائح والأنظمة في كل من وزارة التعليم العالي في حينها ووزارة الخدمة المدنية، والقصة تتمثل في أن نظام الانتساب كان بحاجة لعملية تطوير قامت بها بعض الدول قبلنا، من خلال ما يطلق عليه التعليم المفتوح الذي مع الأسف الشديد لم تتم مسايرته في حينه، بل تمت مقاومته من خلال عدم التصريح للجامعة العربية المفتوحة إلا في نطاق ضيق من البرامج، ومع ظهور ما يسمى بالتعليم عن بعد تم ــ بعد مخاض شديد ــ إقرار لوائحه، وبدأت معه بعض الجامعات بإنشاء عمادات تحمل هذا المسمى، وتم النص في تلك اللوائح على قفل نظام الانتساب، واستطاعت بعض الجامعات أن تستوعب عشرات الآلاف من الطلبة في هذا النظام، ولكن وبسبب غياب التنسيق مع وزارةً الخدمة المدنية لم تعترف الخدمة المدنية بشهادات نظام التعليم عن بعد وأبقت الاعتراف بالانتساب الأمر الذي أحوج الجامعات للتمسك بنظام الانتساب من حيث التطبيق الفعلي، وسمت ما تقوم به من عملية تعليمية (بالانتساب المطور)، وفي الوقت ذاته أبقت مسمى التعليم عن بعد على لوحاتها الخارجية بما في ذلك واجهات مواقعها الإلكترونية، وظلت تُمارس الانتساب الذي نصت لائحة التعليم عن بعد على إلغائه ، وبذلك خالفت اللوائح والأنظمة وفي الوقت ذاته أساءت للتعليم عن بعد ولمعاييره وأنظمته وأدواته وبالتالي يصدق عليها المثل القائل (ضيعت مشيتها لا مشت مشية الغراب ولا مشية الحمامة)، ومع هذا المأزق الكبير والتخبط الحاصل قامت الوزارة بالاتفاق مع الخدمة المدنية، على قصر نظام التعليم عن بعد في الجامعة السعودية الإلكترونية وأصدرت قرارها بوقف التعليم عن بعد في بقية الجامعات الأخرى، وبذلك أطلقت عليها رصاصة الرحمة، لأنها وباختصار شديد ولدت دون شهادة مصادق عليها من الخدمة المدنية.
وتستمر المأساة إذا ما علمنا أن الجامعة السعودية الإلكترونية لم تستطع أن تغطي الاحتياج الفعلي للبرامج الدراسية، التي يحتاجها المتعلم الذي يرغب في هذا النوع من التعليم وانتهجت سياسة فتح برامج تعتمد على التدريس باللغة الإنجليزية ولتخصصات بعينها، فكانت بذلك أبعد ما تكون عن سياسة التعليم المستمر التي تعول على هذا النوع من التعليم بشكل كبير.
وتستمر معركة وضع المعوقات على التعليم المستمر بإغلاق التعليم الموازي بدعوى الجودة المفقودة أصلاً في التعليم التقليدي، الذي يشكو من عدم تطبيق معايير الاعتماد البرامجي.
فإذا كان هذا هو حال واقعنا اليوم كما وصفت فكيف والعالم من حولنا تجاوز مرحلة تطبيق التعليم المستمر وأصبح ينادي بما يسمى التعليم المرن، فهل كتب على أجيالنا المتعطشة للعلم أن تبقى ضحية الأبواب المقفلة والعرقلة المستمرة في وجه المعرفة.
وبلا شك إن حجم المأساة كبير، فالفرص باتت ضيفة جداً لمواصلة التعليم وبالأخص على من يريد مواصلة دراسته بمرحلتي الماجستير والدكتوراة أو الذين لم تساعدهم نسبهم المئوية في الحصول على مقعد دراسي في المرحلة الجامعية وفي الوقت ذاته لم تتح لهم فرصة عمل.
فلعل اللجنة المختصة بالتعليم بمجلس الشورى تفتح ملف التعليم المستمر وتناقشه بمسؤولية تنصف المتضررين من هذا الأمر، لندخل باب اقتصاد المعرفة بشكل سليم ودون معوقات أو أسلاك شائكة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٣٣) صفحة (١٠) بتاريخ (١٤-٠٢-٢٠١٦)