صاحبي يدرس في إحدى الجامعات الأمريكية، حدثنا عن زميله البالغ من العمر ستين عاماً، فيقول عندما رأيناه أولَ مرة، تعجبنا فالوضع غير طبيعي بالنسبة لنا نحن العرب، كيف لرجل بهذا العمر ويجلس على مقاعد الدراسة! توجهت إليه بفضول أسأله؛ فلم يكن منه إلاّ أن قال: لقد عملت في سلك الشرطة حتى تقاعدت، واكتسبت خبرة عملية خلال حياتي أرغب أن أقدمها للناس في أفضل صورة، وأنهيت الماجستير والآن أنا في مرحلة الدكتوراه، فلو عشت حتى الثمانين؛ فهذا يعني أن أمامي قرابة العشرين عاماً، أستطيع فيها أن أقدم شيئاً كثيراً، ففي كل سنتين يمكنني تأليف كتاب؛ وهذا يعني أن بإمكاني إصدار 10 كتب، ولو ألقيت كل شهر محاضرة؛ فهذا يعني 240 محاضرة، وبالمثل لو قدمت دورة تدريبية أو شاركت في برنامج تلفزيوني بشكل ثابت كل شهر أو شهرين، ولو كتبت كل أسبوع مقالاً صحفياً، فهذا يعني 960 مقالاً، ولو خصصت من وقتي الأسبوعي يومين لتقديم الاستشارات، فهذا يعني 1920 جلسة استشارة، ولو قررت المشاركة في مؤتمرات بمعدل مرتين في السنة، فهذا يعني أن أمامي 40 مؤتمراً تحتاج لورقة عمل، وبالطبع فإن بإمكاني أيضاً خلال العشرين عاماً القادمة أن أدوّن سيرتي الذاتية، وبإمكاني أيضاً تقديم شيء كثير وكثير، فما زال في العمر فسحة.
تملكني الذهول والدهشة؛ وتساءلت كيف لهذا الرجل أن يكون بهذه البساطة والعمق في التفكير والطموح لحصد نتائج مذهلة، تساءلت أيضاً؛ كيف استطاع هذا المتقاعد التحرر من قيود التفكير السلبي التي حرمت كثيرين من استمتاعهم بالعمل والعطاء وبذل المعرفة؟! فمجرد التفكير في استثمار الخبرة بتطوير أدواته ومهاراته هو بحد ذاته إنجاز، ولكن أن يضع هذا المتقاعد أهدافاً محددة، ويسعى لتحقيقها، فهذا هو الإنجاز الأهم للإنسان المنتج، عندها يشعر المرء بقيمة الحياة، ومقدار أثره فيها، يقول فولتير: «العمل يُبعد عن الإنسان ثلاثة شرور: السأم، والرذيلة، والحاجة «، ويقول مكسيم غوركي: «عندما يكون العمل متعة تكون الحياة مبهجة».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٣٤) صفحة (٦) بتاريخ (١٥-٠٢-٢٠١٦)