سمر آل موسى

إن البيوت التي ترجو البقاء متماسكةً أمداً طويلاً في ألفةٍ ومحبةٍ وتفاهم، وتحلم باستقرارٍ وسعادةٍ غامرةٍ تغرد في أنحائها وتُرسَم على شفاه أفرادها، وراحةٍ وافرةٍ في نفوسهم وبين بعضهم بعضاً – وسط هذا العالم المليء بمكدرات الصفو ومشتتات الشمل والمحاصر بالمخاطر المحدقة والمنغمس في الأفكار الرجعية -، تلك البيوت التي تسعى لأن تُصدّر للمجتمع وللعالم نماذجَ فريدةً وعقولاً واعيةً منتجةً وفكراً سليماً بنّاءً وقلوباً رحيمةً إنسانية، فحريٌّ بمؤسسي تلك البيوت أن يشيّدوها على عمدٍ صلبة وأسسٍ ثابتة ومهادٍ قوي، ولست أقصد البنيان، بل الإنسان، فيسيروا على خطةٍ تعاملية وتربوية مدروسة ويغرسوا في نفوس أفرادها مبادئَ حكيمةً وقيماً عالية وأفكاراً سليمة غير مهترئة، ولا يلقنوهم مبادئَ ومعتقداتٍ اجتماعيةٍ خاطئة توارثوها بشكلٍ أعمى، فبالتالي سيعلم كل فرد في تلك البيوت ما عليه من واجبات فيؤديها على وجهها، وسيأخذ ما له من حقوق بكل حبٍ ورحمةٍ وحكمة.
أوقن أن هذا الخطب جليلٌ إذ لا يفي في حقه كتابة مقال أو أكثر، بل عميقٌ جداً ومليءٌ بالتفاصيل التي تستلزم مناقشةً موسعةً لكل تفصيلة على حدة، لأن الأسرة هي البذرة الأولى لنمو الإنسان وهي عماد المجتمع وركيزته الرئيسية التي تشارك فيه بلبنةٍ إما أن تكون صالحةً فتثري المجتمع وتنهض به وتترك به أثراً طيباً، أو فاسدةً فتزيده سوءاً إلى سوء وظلاماً إلى ظلام، وإن تفكرتم معي في كثير من المشكلات التي نراها ونعاصرها وربما لامستنا سواءً على الصعيد الشخصي للآخرين في التعاملات والفكر أو بشكلٍ عام فستستشفون أن أغلب تلك المشكلات منبعها من الأسرة؛ وذلك نتيجة حتمية لسوء البناء الإنساني والنشأة والتربية المهتزة سواءً الدينية أو المعرفية أو الثقافية أو التعاملية أو … إلخ، وحينما أقول الأسرة فلست أقصد الأب والأم فقط؛ – فهما يُمسكان بدفة السفينة، ويضعان حجر الأساس، ويرسمان الخطوط الواضحة في طريق أبنائهم -، بل الأسرة كيانٌ متكاملٌ وجسدٌ واحدٌ ينبغي على كل فرد فيه أن يعلم كيف يتعامل مع الآخر بكونه فرداً منفصلاً مستقلاً تماماً له عقل وروح وقلب ومشاعر، وفي نفس الوقت يكمله ويطوره، وكيف ينزله مكانته التي يستحقها، ويراعي المراحل العمرية المختلفة والمساحات الشخصية، فكلما تركنا مساحاتٍ لبعضنا بعضاً – مساحاتٍ للفكر والحوار والتعبير عن الرأي والاختيار والحرية الشخصية -؛ كان دليلاً على وَعيِنا وتقديرنا للآخر ولفكره وقلبه وأحلامه ومعنوياته، وتلاشت المشكلات رويداً رويداً، وزاد أفق السعادة.
وكلما أخذ كل فرد في البيت حقه في التعبير والاختيار وتقدير المساحة الخاصة؛ انخفَض مستوى الكبت الفكري والوجداني والعاطفي، فحينما يُعبر الإنسان عن آرائه بين أفراد أسرته بحرية، ويجد لها آذاناً صاغية ومصفاةً نقية تشجعه وتحفزه إن أصاب وتقوّمه بحكمة، وتقنعه بحوار إن أخطأ؛ فسيشعر بقيمته كفرد حُر مستقل واعٍ، وله مكانته في هذه الحياة، وأنه مُقدّر من أهم ركن في حياته «أسرته»، فبالتالي ستزداد ثقته بنفسه، وقدرته على الحوار والنقاش خارج محيط بيته، وسيحتمي عقله وقلبه بدرعٍ قوي باستطاعته – بعد الله تعالى – أن يدفع عنه أي أذى، أو فكرٍ منحرف أو غير منطقي، وسيصبح من الشخصيات الناجحة الفاعلة المؤثرة، سواء في مجتمعه الصغير أو في المجتمع بأسره، لأن أفراد أسرته خاطبوا فيه الفطرة الإنسانية التي تصيب وتخطئ، وتبغض العنف والتوبيخ، ولا تقبله أبداً، وتحب اللين والمودة ومخاطبة العقل والوجدان.
ولن يستطيع مشيِّدُو تلك البيوت أن يتقنوا هذه المهمات الجليلة من تربيةٍ سليمةِ وتعاملٍ راقٍ؛ إن لم يكونوا في الأصل مؤسَّسين على مهادٍ قوي، ولديهم من المعرفة والصبر والحكمة والحب والرحمة ما يعينهم بعد الله تعالى على إتمامها، حتى يبذروا نباتاً حسناً، فإذا نما ذلك النبات وأينع؛ كان ناضجاً بما يكفي ليعلم كيف يطبق الأفكار والتعاملات السليمة في نفسه وبين بعضه بعضاً، وفي المجتمع.
وأستكمل حديثي في الجزء الثاني الثلاثاء المقبل بإذن الله.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٣٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-٠٢-٢٠١٦)