علي عيسى الوباري

علي عيسى الوباري

التقدم الإنساني هو أمر طبيعي، ولا يكون التطور إلا بما يبدعه عقل الإنسان، ومن أهم إبداعاته الآلة، فهي المؤثر الحقيقي في التقدم البشري، خصوصاً فيما يتعلق بالمواصلات، والاتصالات، فالآلات المبتكرة لهذين المجالين، جعلت الإنسان ينتقل بسهولة إلى أي مكان، ويتلقى أي فكرة، ويتفاعل معها، ويتأثر بها.
عندما انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي، أو الإعلام الاجتماعي، أصبح الجميع يتفاعل بشكل دائم «فكرة وصورة»، وأصبح العالم مفتوحاً على بعضه، ونتج عن ذلك ما هو إيجابي، وما هو سلبي، كلٌّ حسب هدفه من الاستخدام، واهتمامه، كما نتج عن هذا التفاعل التواصلي، والاتصال الاجتماعي، اختلاط، وامتزاج للمفاهيم، فانتفت الخصوصية الفردية، والأسرية، والاجتماعية، والثقافية.
ومن أهم وسائل الإعلام الاجتماعي: «فيسبوك، وواتسآب»، لكنني أعتقد أن «الواتسآب» هو الأكثر انتشاراً، وتفاعلاً، لأنه مستخدم من قِبل أغلب مَنْ يملكون أجهزة ذكية.
هناك مَنْ يتساءل: لماذا هذا الإدمان الكبير على الأجهزة الذكية، وتطبيقاتها، خصوصاً «الواتساب»، ولماذا سلبت هذه الأجهزة العقول، والعلاقات الأسرية والاجتماعية، دون إنكار لإيجابياتها المتعددة؟! في الحقيقة، هناك أسباب عديدة لذلك، فالواتساب في اعتقادي، ترجمة حقيقية لطبيعة العلاقات الإنسانية حالياً، كونه يساعد على الهروب من الواقع الاجتماعي البشري المرير مع الأهل والأقارب، ويعد من أساليب الحياة الفردية، التي جاءت تعبيراً عن النقمة الاجتماعية، ورغبة في الابتعاد عن سلطة العقل الجمعي المباشر المتحكم في الأفراد.
الوصاية الجماعية، وعقلية الاتباع، والسيطرة على الناس بسبب المبالغة في النمط الجمعي، دفعت أغلب الناس إلى التعامل مع الآلة، كونها وسيلةً تساعد على مخاطبة الآخرين دون وصاية، بل إنها تساعد أيضاً على أخذ ما يريده الشخص من غيره دون أن تتحكم فيه سلطة جماعية.
دون شك، قضى «الواتساب» على الجلسات الجماعية، وسرق الأحاديث العائلية من مستخدميه، مع إيماني بأن استخدام «الواتساب» مبالغ فيه، في المجتمعات المحافظة التقليدية، التي تحكمها العادات، والتقاليد، والتفكير الجمعي، التي تحد من الحرية الفردية.
الكبت الأسري والاجتماعي، ولَّد ثورة داخلية في عقول الأفراد، خصوصاً الشباب المتمرد على بعض العادات، والأعراف، بل وصل الأمر ببعضهم إلى التمرد على قيمٍ، فُرضت بشكل قسري.
المجتمعات المنفتحة، التي تملك الحرية، وتعيش حياة فردية، أقل استخداماً لوسائل التواصل الاجتماعي، لأن لديها من الحرية الاجتماعية والفكرية ما يسمح لها بالتعبير عما تريد في الأوساط الاجتماعية والثقافية.
عاش الفرد في ظل السلطة الأبوية في المجالس، التي تفرض ضرورة التزام الصغير برأي الكبير، وعدم التحدث أمامه، هذا إضافة إلى الكبت الأسري الذي عانى منه منذ طفولته، ومراقبته، ومحاسبته على كل تصرفاته، لذلك من الطبيعي أن يلجأ إلى وسيلة، يفرغ عبرها ما في داخله، وما يدور في خلده، وسيلة يشعر من خلالها بقدرته على التحكم، والتأثير على الآخر دون رقيب، أو سلطة تحاسبه.
مما تقدَّم، أصبح من الضروري دراسة وتحليل أسباب لجوء أغلب الناس إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها «الواتساب»، قبل الشكوى، والتذمر من المبالغة في استخدامها، وأنها أصبحت سبباً في القضاء على الجلسات الجماعية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٣٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-٠٢-٢٠١٦)