للحقيقة ثمن يدفعه فقط من يجرؤ على قول الحقيقة، وإظهار النسخة الوحيدة للواقع بكل صدق وشجاعة، بعد أن يقرر دفع فاتورتها الباهظة التي قد تكلفه حياته أو ما هو أثمن من حياته، وقد يدفع ثمنها حتى من يعرفها دون أن يجرؤ على الإفصاح عنها أو قولها، فمجرد معرفته بها قد يكون سببا في وصف العقوبة الملائمة لحجم المعرفة.
جميعنا نعشق هذه الكلمة وبقدر حبنا لها نخاف منها وقد نتبادلها ككل ممنوع مرغوب، نعشق تهامسنا بها في سراديب الحياة وتبادل الهمس لنثبت لأنفسنا شيئا واحدا هو «أننا نعرف» فقط، فهي بقدر صدقها وخطورتها تجعل من تداولها وصفة شهية ككل الوجبات الساخنة التي نتناولها بشغف المعرفة.
كثير منا يعرف أنها الحقيقة تلك التي تسطع كالشمس في كبد السماء فلا يحجبها غربال، يراها الجميع وهم يحملقون في واقعها المدهش والمباغت، ولكن الصمت قد يكون أكثر الخيارات أمانا، فيخمدونها لتصمت ككل البراكين الخامدة فيهم دون أي حيلة، ولكنها تظل صاخبة في مكان ما في عمق الوجدان كناقوس خطر يدق حينما يعرف مكامن الاشتعال، تظل هكذا يقظة معاتبة مباغتة تنتظر أن يقولها أحد يكون على قدر تحمل المسؤولية، تنتظر كلغم صامت ينفجر فجأة فيصنع كارثة التغيير ويفصح عن ويكليكس الحقائق، هذه الكلمة التي تظهر أكثر من 300 مليون مرة، عندما يتم إدخالها في عملية بحث سريعة في محرك البحث جوجل لتدلل على هذا الشغف.
الحقيقة تلك الكلمة الأكثر إيجابية وصدقا، التي نتداولها سرا وهمسا لمجرد أن نشعر بنشوة، إننا نعرف الحقيقة ومهما اختلفت الحكايات وتزايدت، وليقيننا أنها ستبزغ واضحة في نهاية كل الحكايات، لتعلن سيطرتها وتفرض بالقوة الجبرية صدقها مسجلة بسطور من نور أسماء من قالوها وارتقوا إلى سلم التاريخ، هكذا يقول التاريخ كلمته الصادقة ويفرض حقيقته الراسخة، التي تعيد نفسها عبر الأزمنة وتدق أوتاد المستقبل لحقائق أخرى، نعم لقد علمتنا الحياة دروسا «في حضرة الثمن»، فللفرحة ثمن عندما نطلقها كالطيور تحلق فوق رؤوسنا وترفرف بجناحيها عاليا ثم تعود لتسقط وترتطم بالأرض لتذكرنا بأن دوام الحال من المحال، وأن التغيير هو أهم سماتها، وللحياة ثمن تلك التي تغرقنا بموجها المتضارب وتلاطمها مع صخور الواقع، وفي كل يوم نسدد قيمة شهقات الشهيق والزفير، وللحرية ثمن تلك التي نلجمها حتى لا تفر من أيدينا معاني الالتزام والشعور بالمسؤولية، وللضحكة ثمن وغرامة فعندما تفر قهقهتها تعود الدموع لتذكرنا بهول الاختلاف مابين الحالتين، هذا ما يجب أن نستعد له خلال مسيرتنا المستمرة في دهاليز العمر، أن نعبئ جيوبنا بما يكفي أن نسدد ثمن كل شيء، ثمن التضحية والحقيقة والفرحة والسعادة والصمت والهزيمة والخطوة وأن ندخر من العمر لحظات تكفي لسداد كل هذه الفواتير المتراكمة في صناديق أيامنا العاتية، يجب أن نعرف متى وكيف وأين ولماذا ندفع الثمن، ولمن؟.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٣٧) صفحة (١١) بتاريخ (١٨-٠٢-٢٠١٦)