من يستقرئ التاريخ السياسي للأزمنة الماضية يشاهد كيفية تغير الدول من حال إلى حال أفضل، ويكون ذلك بعد انتصارات سياسية أو حربية حققتها تلك الدول على أعدائها، وخاصة المحيطين بها أو القريبين منها، ولكل متغير ظروفه سواء كانت تلك الظروف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
المملكة تعيش تغييراً وتحولاً مفصليّاً في هذه الفترة التي تمر بنا، حيث وضح للعيان إرادة الدولة انتهاج سياسة فاعلة تتوافق مع التغيرات والمستجدات التي تشهدها الساحة الدولية والإقليمية بما يعزز أمن المملكة والعالم الإسلامي.
في هذا التغيير لعل بعضهم يعتقد أن هناك ضغطاً من بعض الدول الكبرى على المملكة لهذا النهج الجديد، ولكنه العكس لأن المملكة هي من صنعت هذا التحول الجديد لها وهي من اختارت هذا الطريق الذي لن يكون سهلاً، بل هو طريقٌ تحفه المصاعب والمكائد من الأعداء خاصة.
الناظر في المشهد السياسي الذي نعيشه الآن يرى أن المملكة كونت تحالفاً كبيراً لدحر الحوثي وأعوانه من الداخل والخارج في اليمن، واستبقت الأحداث ودمرت ترسانة الحوثي ومن معه في اليمن، وقد يقول قائل: ما هذا التغير الذي حصل في سياسة المملكة التي كانت تتصف بالهدوء واللين والصبر؟ المملكة يئست من سياسة الصبر واللين وتقديم تنازلات كبيرة من أجل إصلاح الأمور، وانتقلت إلى سياسة الحزم والشدة في أي أمر معتمدة في ذلك على الله سبحانه وتعالى وعلى سواعد أبنائها المخلصين من جميع مناطق المملكة للذود عن أمن وسلم المملكة، فالتحولات المفصلية في سياسة المملكة مع ما تملكه من قوة اقتصادية وأهمية دينية جعلها الآن تحمي وطنها بنفسها دون الاعتماد على أي دولة كانت، وسوف ينعكس هذا الأمر على الدولة في السنوات المقبلة من خلال الاهتمام بالتدريب العسكري المتقدم والتسليح الحديث إما عن طريق التصنيع أو الاستيراد من الدول الصديقة. جميع هذه السياسات والتحولات سوف تغير وجهة الدولة وطريقة تعاملها مع الآخرين، وخاصة من يحاولون زعزعة أمنها سواء في الداخل أو في الخارج.
ومن ضمن التحولات المفصلية الكبيرة والمهمة مشاركة المملكة مع دول التحالف وخاصة تركيا في ضرب داعش بسوريا، وهذا في حد ذاته تطور إيجابي كبير يحسب للمملكة، كذلك تنفيذها بعد عدة أيام مناورة كبيرة أطلق عليها اسم: «رعد الشمال» تضم أكثر من عشرين دولة صديقة وحليفة، وتتعدى أعداد المشاركين في هذه المناورة ثلاثمائة ألف جندي وستستمر عدة أيام، وهذا مكسب كبير للمملكة من خلال استفادة قواتنا البرية والجوية من خبرات الآخرين.
هذه الصناعة الجديدة لهوية المملكة يجب ان يواكبها تغير الناس إلى الأفضل، فالمملكة تجابه الأعداء من عدة جبهات، وجنودنا البواسل يحتاجون الدعم الكبير منا، فالدعاء لهم واجب في الليل والنهار، كذلك لذوي الغنى دور في تقديم الدعم والتكفل بأبناء الشهداء -رحمهم الله- وتقديم ما يحتاجون إليه من مال أو تسديد ما عليهم من ديون؛ لأن هذه الأمور هي واجب على هؤلاء الذين أثروا وقت السلم، فهنا يأتي دورهم في رد الدين للدولة وأبنائها المخلصين لأن الدولة لا تستطيع القيام بكل شيء دون أن يكون للمواطن دور معها، فالمبادرة الوطنية من أبناء الوطن البررة واجبة حتى يكون هناك تكامل وتكاتف بين الوطن وأبنائه.
كما يجب على كتَّابنا ومفكرينا الأفاضل بمختلف شرائحهم وتوجهاتهم أن يبتعدوا وخاصة في مثل هذه الأيام عن المشاحنات الفكرية التي نحن في غنى عنها، فوسائط التواصل الاجتماعي هي المنبر وهي قياس لتوجهات المجتمع السعودي، فالغرب يقيس توجهاتنا عبر «تويتر» وغيره من الوسائط خلال تناول قضايا مختلف عليها من قبل تيارات فكرية همها فقط إظهار القوة والسطوة في الردود والتغريدات وغيرها، لماذا نحن هكذا؟ لماذا لا نستشعر الوضع المتغير والتحول الكبير الذي تعيشه المملكة، ونعكس واقعاً جميلاً عن وطننا، الاختلاف لا يفسد للود قضية، والاختلاف إذا لم يصل إلى حد الخلاف فهو مفيد في تباين وجهات النظر، ولكن هناك أوقات نكون فيها بحاجة إلى التكاتف والتآزر فيما بيننا، ولا يفسد ودنا قضايا هامشية لن نستطيع تغييرها ولا نستطيع كسبها.
ختاماً، المملكة لها منطلقاتها الواضحة وهي منطلقات مشتركة ومنسجمة مع محيطها العربي والإسلامي وهي قائمة على المحافظة عل توازن المصالح للأمة ككل ومن منطلق مسؤولياتها التاريخية، وهنا يجب التنبه لمحاولة بعض المصادر الغربية والإقليمية المعادية للمملكة التشويش على مواقف بلادنا وسياساتها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤١) صفحة (١١) بتاريخ (٢٢-٠٢-٢٠١٦)