أجال رداد ببصره في محيط قريته، ولفت انتباهه الركايب (جمع ركيب) وقد امتلأت بالأحراش والأعشاب غير المستفاد منها، وتنهّد لما آل عليها من الإهمال، تلك المصاطب الزراعية – ذات زمن أفل – كانت تسد جوع أهلها من حبوب الحنطة والشعير والذرة والآن أصبحت قذى للعين، وحسرة للقلب، وحتى ينفّس عمّا جاش في صدره من حزن وألم، راح ينشد بقصيدة تداولها الركبان عن غرم التهامي (اختلط حب المساقي وحب العثري وبعد يزيد) إلا أن الركايب لم تعد تنتج مسقويا ولا عثريا؛ حيث يسودها الإهمال، ويلتحفها النسيان، وفي الربيع تنبت بأنواع من النباتات غير النافعة. غرسان جاره سمع صوته، وهب إليه قائلا: يا جد رداد لم تلق القصيد وليس هناك زير يطرب، أو دف يحن، أو عرّاضة يهزّون أجسادهم مع إيقاع الزير، ردّ رداد وقال: الله يهب لك في العثري كيس ذرة، وانفرطت من بين شدقيه ضحكة مجلجلة بعدها ردد: «لا يمكن أن يحدث عثري وبوسن أو شعير ما خبرنا ذرة تثمر في الوسايف الجبلية»، اندهش جاره وظن شيئا لامس عقله خصوصا أن ثمة طقوساً يمارسها في أيامه الماضية مثيرة للاستغراب، ففي عز الصيف يرتدي جبة صوفية، ولم يعد يحضر مجالس أهل القرية، وفي النهار يطيل النظر في السماء وكأن ثمّة مناجاة مع نجوم غير مرئية فتتعثر قدماه بين حين وآخر، ويعود لمنزله وحيدا عدا ذكريات امتزجت بجدران المنزل الحجرية، راح غرسان إلى جماعته يصيح ليخبرهم بما حدث، ويزيد عليها، وبعد مشاورات اتفقوا على إخضاع رداد للعلاج عند الفقيه، انبرى اثنان للذهاب إليه، أجبراه وأودعاه حجرة مظلمة مكث فيها عشرة أيام لا يرى النور، ويُقدم له الطعام تحت جنح الليل، وبعد أن أيقن المعالج بأن الوساوس لم يعد لها طريق في رأسه، أفرج الباب عن رداد ليرى السَّفَرْ- أي الضياء -، هذا الفعل ولّد حقدا عليهم واستمرار شتمهم، وعزمه على الرحيل، وتذكر صديقه غرم الله الدولي لعله يسعفه بحمارته لتنقله إلى مكان بعيد عن هؤلاء، إلا أن صديقه في مكان بعيد وهو غير قادر على المشي لساعات وفي مواقع وعرة، في إحدى الليالي عزف عن فكرة الرحيل ليس لعدم قبول الفكرة بل لأن حيلته ضعفت وجسده لا يسعفه المشي من فوق جبال عسيرة، أخذ تفكيره ينحصر في كيفية الانتقام من جماعته الذين غدروا به، وأصبح جماعته يلمزونه ويهمزونه بالجنون، راح يفكر في طريقة للتنكيد عليهم بإشعال نار الفتنة بينهم، وفكّر في قذف بعض الحيوانات النافقة في بئر يشرب منه الجميع، تراجع عنها ليس شفقة فيهم بل لأنه أيضا يشرب من ذات البئر، ذهب تفكيره إلى إحراق محصولاتهم الزراعية إلا أن المصاطب كانت قاعا صفصفا ليس بها سوى أعلاف للحيوانات، جنح تفكيره إلى أن يتظاهر بالموت، بالفعل حمله جماعته على النعش وما أن حُطت الجثة الملفوفة بالكفن الأبيض بجوار القبر استعدادا لإهالة التراب عليها حتى نهض الميت عن كفنه، خلعت قلوب المحيطين به، وفروا في فزع إلى طرق شتى، ليعود رداد أدراجه إلى منزله مغطى جسده بذات الكفن، بعد هذا الحادث بأيام شاع في القرية أن ثمة أمواتاً يخرجون من المقابر ليجوبوا مسارب القرية في جنح الظلام، أصاب الجميع الذعر وتضخم الخوف في قلوبهم وبدأت قوافل الراحلين تزداد يوما بعد يوم ليظل وحيدا عدا منازل حجرية كانت شاهدا لانتقامه، أما رداد فبقي على متكئه المطل على بيوتات القرية ومكث ينشد بطرق الجبل بصوت أجش امتزج بحزن لم يألفه سوى الأحجار الصماء لمنازل قريته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤١) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٢-٠٢-٢٠١٦)