عباس المعيوف

عباس المعيوف

كلنا معرضون للخطأ وخير الخطائين التوابون، فما من إنسان على وجه المعمورة إلا وله حسنات وسيئات إيجابيات وسلبيات خير وشر، وبالتالي من الإنصاف إعطاء كل ذي حق حقه، هذا فعلاً إذا استطعنا تجريد أنفسنا من هوى النفس والانطلاق في الشعور نحو الآخر، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا فهذا لا يعني عدم ذكر محاسنه عند التعرض لشخصه دون وجه إنصاف، فالغاية هي إيجاد قنوات تواصل مع كافة أفراد المجتمع.
فئة من الناس لا أدري ماذا أسميهم، فالاختلاف معهم يعني الحرب والتسقيط وتصيد الأخطاء والزلات، فهم مستعدون أن يفرغوا أنفسهم لطاعة إبليس، وأقصد بذلك أولئك المرضى النفسيين المتغلغلين في أوساط ثقافتهم، فهم متربصون بك وبغيرك بمجرد إلقائك محاضرة دينية أو قصيدة شعرية أو موضوعاً فكرياً، كي يرموك بسهامهم السامة، فهم يدركون أن الحق معك ولكن لا يأخذونه منك بل من آخرين. المتربصون في هذا الزمن المر كثر وثقافتهم قائمة على تصيد الأخطاء وإبراز النقاط السوداء والتركيز عليها وتضخيمها إلى حد الانتفاخ، وتصغير الجوانب الإيجابية ووضعها في خانة أنت لست أهلا للثقة.
ويدركون أن الغاية من الثقافة التربصية إيجاد فجوة ثقافية يلعب بها أصحاب المصالح والنفوذ والضحية بكل تأكيد هم المساكين العظام، الذين لاهم لهم إلا تمجيد رموز دون رموز وشخصيات دون شخصيات.
والشواهد على ذلك كثيرة، وهي مع الأسف تمتد وتتمدد عند كافة شرائح المجتمع المختلفة مذهبية وفكرية وثقافية وعلمية ومن يملك أدوات القراءة الدقيقة للمشهد يدرك معنى كلامي.
لقد أكد القرآن الكريم على قول كلمة الحق حتى مع من تختلف معهم، وعدم الذوبان في تكريس تسقيط الآخرين وخير شاهد قوله تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألاَّ تعدلُوا اعدلُوا هُو أقربُ للتَّقوى) وكذلك الآية المباركة (وإذا قلْتم فاعْدلُواْ). وذمه أولئك الذين يتعرضون لتشويه وتقطيع وإساءة المختلفين معهم والتربص لكل صغيرة وكبيرة والمساهمة في تأويلها بالخطأ (الَّذِينِ جَعَلُوا القرْآنَ عِضِينَ – أي ناقص المعنى ومجتزأ).
ويرى علماء النفس البشرى في تعريفهم لأمثال هؤلاء المتربصين، بأنهم مرضى نفسيون وسلوكهم مشين ينطلق من ثقافة النقص وكره الناجحين وإشعال شتى أشكال الخلافات الدينية والثقافية فيجدون لذتهم الحقيقة في إذكاء نار الصراعات والفتنة بين المجتمع الواحد، وهو بطبيعة الحال ناتج من إحباطات وضغوط نفسية.
من يقرأ في ثقافة المتربصين يجد أنهم يُسخِّرون وقتهم في البحث في أخطاء الماضي ونبشها وعدم غفران زلات الآخر كونه لا يدور في فلكهم، يقول بشار بن برد إذا كنتَ في كُلِّ الأُمُورِ مُعاتِباً صَدِيقَكَ، لم تَلْقَ الذي لا تُعاتِبُهْ، فعِشْ واِحداً، أو صِلْ أخاك، فإنَّهُ مُقارِفُ ذَنْبٍ تارَةً ومُجانِبُهْ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤١) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٢-٠٢-٢٠١٦)