كثير منا سمع أو قرأ عن حضارة المايا، التي في بعض جوانبها يشوبها شيء من الوهج الأسطوري، وأكثر ما يلفت الانتباه للمتعمقين في القراءة عن عموم الحضارات البائدة المتطورة في حينها، أن هذه الشواهد العمرانية العملاقة التي خلفتها، والتي على عظمتها إلا أنها لا تنقل لنا كافة العلوم المتطورة التي شكّلت وجه تلك الحضارات، إذن السؤال؛ أين حفظ أولئك المتطورون البائدون علومهم؟!، فهم لم يتركوا من بعدهم كتباً ولا مجلدات، فقط تركوا رسوماً جدارية لم تكن إلا رموزاً شاهدة على عصرِ مضى!
في كتاب «المدن المفقودة بعد الطوفان» لـ علاء الحلبي، وردت معلومة غريبة تقول (يسود اعتقاد كبير بين الباحثين وعلماء الآثار بأن المكتبة الكونية السرية التي تكلمت عنها جميع المخطوطات القديمة التي تحوي بعض أسرار الوجود، موجودة في أحد مواقع بلاد المايا، وبعض المصادر تقول إنها مخزنة في قطع كريستالية من الكوارتز وصنعت بطريقة تجعلها قادرة على تخزين كمية هائلة من المعلومات!)
واليوم توصّل مجموعة من العلماء في جامعة ساوثهامبتون في بريطانيا لاكتشاف طريقة جديدة لتنسيق وحفظ البيانات الرقمية باستخدام الزجاج ذي البنية النانو مترية، وسميت بـ تخزين البيانات خماسية الأبعاد 5D» والتي يمكن من خلالها تخزين ما مقداره 360 تيرابايت من البيانات ويحفظ البيانات لمدة تصل إلى 13 مليار سنة (يعني أكثر من عمر الأرض بثلاثة أضعاف!)
ويعرف أغلبنا أن الزجاج والكوارتز لهما ذات المنشأ وهو الرمل، وإن كانا يختلفان في تركيبتهما الكيميائية، إلا أنهما يشتركان في خواص فيزيائية مهمة منها الصمود أمام درجات الحرارة العالية وعوامل التغيير الأخرى.
الغريب في الأمر أن الأسطورة التي لا تزال قائمة حول مدى تطور بعض الحضارات القديمة وتكهننا بأساليب حفظهم المعتمدة لمخزونهم المعرفي، ومع عجزنا الحالي عن الوصل لذاك المخزون، إلا أننا آثرنا أن نحفظ موروثنا الحضاري وعلومنا المتطورة بذات الطريقة المتبعة في الحفظ!
أحياناً كثيرة نتلقى معلومات من علوم متفرقة، ولكنها مترابطة بشكل غريب فيما بينها، ولا نحتاج أن نكون ضليعين في أي من تلك العلوم لنتمكن من الوعي بدهشة الترابط، فهل هي حالة إنكار نعيشها لنرتكب ذات الخطأ، أو هو إيمان بقيمة أساليب الحفظ حتى لو تزامن معها شرط الإعجاز في إيجاد آلية تلقي مستقبلية لهذه المعلومات؟!. أم هي سنة كونية بأن نعيد الكرة مرة بعد أخرى دون أن نعي الدرس؟ أو هي حالة معرفية تراكمية نحاول من خلالها الاستثمار في ما نعرف ونكمل من حيث توقف السابقون؟!
جمان:
الأسئلة التي لا نملك لها إجابة قطعية هي الأعمق أثراً في رحلة التعلم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤١) صفحة (٦) بتاريخ (٢٢-٠٢-٢٠١٦)