وأنت تصطاد فكرتك وتلقي الطعم لأغبى سمكة في البحيرة تلك التي اختارت نهايتها على يديك تذكر أن هناك أسماكاً ملونة أخرى جديرة بالوقوع في شباكك وأنك بحاجة إلى مزيد من الذكاء لتصطاد أذكى السمكات وتغويها بابتلاع الطعم تذكر وأنت تكتب فكرتك الفذة وترسم طريق حروفك قول الجاحظ: الأفكار ملقاة على قارعة الطريق المهم كيف نتناولها، ولا تنس شغف الفراشات بالضوء تقترب منه فيحرقها ولا تستفيد من تجارب الفراشات المحترقات فدائما ما تتكرر حكايات الاحتراق أو الاصطياد لأن ذاكرة الأسماك التي لا تتجاوز الثواني الثلاث وذاكرة الاحتراق لدى الفراشات لم تردعها عن تكرار التجربة.
يقول نيتشة: نحن لا نتحرر إلا من خلال التذكر، ويقول مصطفى الحلاج: «أظن أننا لن نتحرر إلّا بالموت» وما بين الاحتراق والتذكر تنمو الأماني لأنهما حكايتان في مفصل الحنين ولأن المفكر والمبدع هما ذاكرة الأمة وضميرها الذي يتذكر إذا نسي الآخرون وهو يشعل في كل ليلة محرقة التذكر والنسيان وهو يواسي مشاعره ويصطاد منها ما ينطبق على النص فلا يخرج عن النسق ويظل يواسي الذاكرة.
فهو المعني بالتغيير والتنوير والتفكير وصياغة المعنى بما يليق بالحقيقة التي قد يؤثر بعضهم تجاهلها ونسيانها ويعود الكاتب ليعزف على أوتارها ويسقط قطرة الذكريات على جدب الأرض كي تتذكر هي الأخرى ما نسيته من الأقدام التي سارت على ثراها.
إنها الذاكرة التي تكفي للنسيان للهروب من الواقع وتقمص أدواراً غير حقيقية في الحياة والانتماء إلى لغة أخرى فما قيمة المفكر دون ذاكرة وما قيمة التجربة وسط سلال معبأة بالنسيان وهذا ما يجب أن يستحضره مثقفنا العربي وجيلنا الجديد الباحث عن السمكة الذهبية لابد وأن يستوعب أن الفكرة البسيطة يمكن أن توقد جذوة الاختلاف وإنهم بعود ثقاب واحد يمكنهم أن يحرقوا أكبر الغابات وإن شجرة واحدة يمكنها أن تنتج آلافاً من أعواد الثقاب ومن هنا يجب أن يطل الاختلاف والوعي في استخلاص التجارب الماضية وتذكر الناجح منها والعمل على الاستفادة من كل ذلك في التعبير عن الذات وصناعة الغد بالأفكار الخلاقة والإبداعية والنظرة المختلفة التي تصنع الفارق بين الأجيال الذي لا يأتي إلا بالوعي والقراءة والخروج من صندوق الفكر النمطي بفكرة تتجاوز حدود المربع إلى التفكير الإبداعي والتخلص من الحلول البديهية إلى المبتكرة للوصول إلى مناطق رحبة من التفكير ورسم خريطة جديدة للواقع بما يعزز تطور المجتمع وتنميته بناء على تجارب الاستثناء والاختلاف.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤٤) صفحة (١١) بتاريخ (٢٥-٠٢-٢٠١٦)