حمود الحسن

حمود الحسن

حمود الحسن

لا تسأل عما وصلنا إليه من تساهل في القتل إذا علمت أن الديات المدفوعة بالملايين تكاد تصبح أسهل من رشفة ماء ترتشفها. وضع مأساوي وواقع كئيب تلبس كل من له حرقة على دينه ووطنه ومجتمعه، أصبحت وكأنها تجارة في المعنى الظاهر الواضح وأما بالأصل فهي لا تمت للتجارة ومعانيها بأي صلة فقط لأن الشخص المسلم يقتل أخاه المسلم فتبدأ المعاناة الحقيقية في ذلك فتصبح المزايدة دموع الأمهات المنهمرة الباكية والكاتب على العقود الذي سينهي الإجراءات هو ماسك السيف في آخر الساحة، إن في الدموع لفرقاً كبيراً بين من فقدت فلذة كبدها وبين من تقف وحيدة على بساط الترجي الشديد ممسكة بثياب الرجاء والمحاولة بأن لا تفقد جزءا منها أبداً. ورغم الفرق الشاسع في ذلك فإنك لا تحس بأن إحدى الدمعتين أخف من الأخرى. أصبحت نفوسهم ضعيفة والواقع لا يسمح له بالصبر لأنه لم يتعود على ذلك فيصيب ذا بإصابات خطيرة ويطعن ذاك طعن مجنون ويقتل من أمامه متلذذاً بأخذ حقه المكذوب الذي رسمه في عقله بسبب (الغضب) وليس ذلك فحسب بل لأن الأفكار التي انغرست في ذهن من قتل في صغره تكون بذرة لشرور كثيرة ومنها ما ذكرنا وقد تصل إلى الإرهاب أيضاً إذا سُقيت بالأفكار المتطرفة، فمن زرع هذا الفكر في أذهانهم الذي يشجعهم بأخذ الحقوق لأنفسهم ولو بإسالة الدم وزرع الفتن في الناس دون أن يشعروا؟!. تنصب صبابة اللوم من المجتمع كله على مرتكب الفعلة الشنيعة هذه ولكن في الحقيقة يكون هناك أناس لهم صلة قطعية في ذلك، وقسها على ما بدا لك من الأسئلة على عائلته وعلى أصدقائه وعلى محيطه الذي تكيف معه. من المسؤول على إعاثة هذا الشر المستشري في مجتمعنا وهل نحن مجبورون أن نظل مكتوفي الأيدي نطالع المشهد ولا يحرك فينا أي ردة فعل؟. نعم هناك من يعتق وجزاؤه خير عند الله عز وجل وهناك من لا يعتق وذو حق له وهناك من يتفنون بأساليب المروءة والشهامة المكذوبة لديهم فيرخصون الأرواح والأنفس شريطة منافع دنيوية لا تسمن ولا تغني من جوع. إن الضرر لا يلحق الهالة المجتمعة على دائرة القصاص فحسب بل على كل مسلم يتضرر ضرراً نفسياً كبيراً والضرر يمتد مداه أكثر على الإساءة لديننا الحنيف وعقيدتنا التي لا تعترف وتنبذ مثل هذه التصرفات اللاعقلانية. قتل بسبب موقف لسيارته يمكن أن ينتظر مدة من الوقت ليركنها في موقف مناسب فينتهي من الأمر كله ولكن النفس ضعيفة في ذلك، قتل بسبب فكرة من أفكار زُرعت في ذهنه بأن من يعرقل طريقه في بعض الأحيان سواء بالمشي أو في قيادة السيارة شخص يعانده ويريد أن يقف في وجهه ولم يعلم بأن الذي أمامه لديه من الظروف ما تمنعه عن القيام بنفس أداء من هم في ظرفه في المشي أو قيادة السيارة من ضعف نظر وقلة حيلة في ذلك، قصص تحولت إلى عبر ومواعظ وحال لا يسر بالطبع وكأننا نخلط الأوراق على عكس ترتيبها ونبتعد عن الحسنات من الأمور ونذهب إلى السيئات منها. لسنا على منبر وعظ بقدر ما هو مقام تذكير في هذه المقالة، فأتمنى أن تصل الرسائل الموجهة إلى كافة شرائح المجتمع حول هذه القضية المؤرقة وتتلاشى هذه العادات شيئا فشيئاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤٤) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٥-٠٢-٢٠١٦)