أثناء الحرب العالمية الثانية، قرر هتلر معاقبة 3 ضباط مخالفين للأوامر، فوضع كل ضابط في حبس انفرادي، وجعل ماسورة مياه فيها «تنقِّط» ببطء، وأخبرهم بتسرب غاز سام، سيقتلهم خلال 6 ساعات كحد أقصى! بعد 4 ساعات، وجد اثنين منهم ميتين، والثالث يعاني من تشنجات شديدة، ويلفظ أنفاسه الأخيرة. المفاجأة أن موضوع الغاز كان «خدعة»، و»حرباً نفسية»، ليجعل عقولهم هي التي تقوم بقتلهم! لا أعلم مصداقية القصة، ولكنني تذكرتها وأنا أتابع ما يحصل للأطباء هذه الأيام، ففي كل بضع ثوانٍ تصلك «قطرة»، عفواً رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حاملة معها تعميماً حول خصم البدل الفلاني، وإيقاف البدل العلاني، ثم أخرى تنفي سابقتها، وثالثة تؤكد ما سبق نفيه، وكأن رواتب الأطباء بالملايين، ويمتلكون جزراً في المحيطات وأجمل المنتجعات، ولا يعلم مُصدر ومروِّج تلك الإيقافات والخصومات أن أغلب الأطباء في الإفلاس غارقون، وبالدين «عائشون»، ولليوم الـ25 منتظرون.
في هذه الأيام لم يعد جحا مصدر التندر والفكاهة، بل الطبيب وبدلاته، فهل هذا الوهم هو الذي يسبق القضاء على الطب وأهله؟ ومَنْ المستفيد؟ ثم لماذا الخصم والإيقاف للأطباء فقط؟ أليسوا جزءاً من منظومة؟ أين أصحاب الفئات المهنية الأخرى، الذين لم نسمع عن إيقاف، أو الغاء مخصصاتهم؟ وهل الغرض هو حثهم على الهجرة؟ إن كان كذلك، فليفرحوا قليلاً، فشعار الأطباء هذه الأيام هو: «ففروا إلى الخاص»، وربما غداً سيبكي وسيندم كثيراً أصحاب تلك القرارات «ولات حين مندم»، وهل سيطال الخصم أصحاب الشعر الأشقر، والعيون الزرقاء، واللسان الأعوج؟ أم إنه حصري بابن البلد من «باب الميانة»؟ بقي أن أذكِّر الزملاء في الفريق الصحي من صيادلة وممرضين وفنيين: انتبهوا، وادعموا الأطباء قبل أن ترددوا: «أُكِلتُ يومَ أُكِل صاحب البالطو الأبيض».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤٥) صفحة (٤) بتاريخ (٢٦-٠٢-٢٠١٦)