السياحة أضحت صناعة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مفاهيم ومدلولات، لما تدره من مبالغ مالية تُسهم في رفع اقتصاد المدن والدول، ويعتبر الإنسان المدخل الرئيس الذي من خلاله يمكن أن تتنامى السياحة أو تتراجع بمستوى وعيه ومدى اهتمامه، وتتفاوت الدول من حيث عدد السائحين، وحجم العائد الاقتصادي، بحسب قدرتها على التخطيط السليم في مجال الاستقطاب السياحي، ويبرز هنا دور وسائل الإعلام والاتصال واستثمار التكنولوجيا في دفع الوعي السياحي لدى الأفراد، وهذا الذي يعول على إعلامنا بجميع أنواعه أن يقوم بهذه المهمة الجسيمة. وصناعة السياحة تمر بمراحل من بينها التخطيط، الاستثمار، التسويق، الترويح، وحين نطبق هذه المفاهيم التسويقية على منطقة الباحة، نلحظ أنها مؤهلة لاستقطاب السياح على مدار العام، أما لماذا؟ لأنها تتوفر بها مقومات طبيعية وثقافية وتراثية، فطبيعتها خلابة بشموخ جبالها وكثافة غاباتها وتنوع نباتاتها وجمال أوديتها ومناخها الآسر المعتدل صيفا على ذرى جبال السراة والدافئ شتاء في أودية وبطاح تهامة، كما تتميز أيضا بموفور تراثي أصيل يتمثل في مبانيها المعمارية التراثية ذات التصاميم التقليدية، وفنونها الأصيلة وأكلاتها الشعبية، وصناعاتها الحرفية التقليدية، إلا أن سؤالاً مهماً يطرح نفسه هل هذا يكفي لأن تحقق نجاحا لسياحة متنامية وعصرية؟ أم أن عرض المنتج السياحي يحتاج إلى استراتيجية بعيدة المدى؟ من تخطيط واع وتنفيذ مدروس، ولو جئنا إلى الطلب لوجدنا الباحة بإمكاناتها الحالية تستقطب كثيراً من السائحين والزوار ومحبي الطبيعة البكر، ومعظم الزائرين يجيئون من كافة مناطق المملكة، وقلة من دول الخليج العربي وبحسب الإحصاءات الأخيرة تنامت أرقام الزائرين القادمين إليها، وهذا مؤشر جيد لنجاح صناعة السياحة في الباحة وهي مؤهلة لأن تكون منطقة سياحية متميزة على مستوى دول الخليج العربي، إلا أن الخدمات السياحية لا تكفي دون أعمال إضافية تصب في مصلحة تحسين وتطوير السياحة، بجميع أشكالها وصورها، فضلا عن ضرورة الاستفادة من التغذية الراجعة للزوار بسؤالهم – من خلال استبانة – إلى أي مدى تحقق لهم الرضا أثناء إقامتهم في ربوع منطقة الباحة؟ هذا السؤال الرئيس يدفعنا للتدقيق في المعطى السياحي الذي تقدمه الباحة، وأقصد بذلك توفر كل ما يحتاجه السائح من خدمات ضرورية وكمالية من سكن مريح وطرق سهلة ومعبدة وتوفر الخدمات من مطاعم ومقاه وجلسات ومدن للألعاب وأسواق تجارية وغيرها، ولنأت أولا: إلى مواقع الإيواء نلحظ أن المنطقة ما زالت عاجزة عن تحقيق هذا المطلب الملح إذ أنها ومنذ ثلاثة عقود تعتمد على فنادق بمستويات أقل مما ينبغي، فهي تحتاج بالفعل إلى فنادق فاخرة، سيما وأن جامعة الباحة أخفقت في سد ثغرة بتعثر مشروعها الذي أعلنت عنه في وقت سابق ومازال الفندق المزمع تنفيذه يصارع رياح الإهمال والنسيان، رغم وجوده في موقع متميز يتسنم جبال شهبة المطل على مدينة الباحة، ولا يقتصر احتياج الباحة إلى فنادق فقط بل تحتاج إلى قرى ومنتجعات سياحية على غرار قرية رغدان السياحية، ويتم اختيار مواقع مناسبة بمحاذاة الغابات في شمال المنطقة وجنوبها، أما الطرق فهي الأخرى ضرورية فكثير من المواقع السياحية خصوصا الغابات ما زالت بحاجة إلى طرق واسعة وحديثة، مع ضرورة التسريع في إنجاز الطريق الدائري لما يمثله من أهمية في إعطاء ملمح حضاري بتيسير الانتقال بكل سهولة داخل إطار المدينة.
وحين نعرج إلى بقية الخدمات نسمع دائما الانتقاد الحاد للسياحة في الباحة بأنها سياحة نهار فمتى غابت الشمس يتجه الزوار إلى مواقع إيوائهم، وهنا الاحتياج إلى تخطيط جيد بتوفير أماكن ترفيه متميزة لكافة أفراد الأسرة ويمكن الاستفادة من تجارب الدول ذات الباع الكبير في مضمار السياحة، والأهم من ذلك زيادة التثقيف المجتمعي فيما يتعلق بمزايا السياحة، بتوضيح قدرتها على توفير عملة صعبة تزيد من العائد الاقتصادي، وتخفف من نسبة البطالة بتهيئة فرص عمل للشباب وتزيد العائد المادي بارتفاع الحصص النقدية من جراء عجلة السياحة وشمولها جميع القطاعات الخدمية، ويمكن الاستدلال ببعض الدول التي قطعت شوطا كبيرا في السياحة، حيث أضحت العوائد من جراء ناتج السياحة تفوق دخولها من بعض ثرواتها المعدنية أو النباتية، مما جعل السياحة أحد أبرز المكونات الرئيسة للإنتاج المحلي، مما ينعتها بعضهم بالصناعة العالمية الأولى، أما لماذا؟ فلأنها تزيد من فرص الإنتاج وزيادة فرص العمل وتطوير وتسويق الصناعات التقليدية وينعكس ذلك بطبيعة الحال على توسيع البنية التحتية طرق وماء وكهرباء وهاتف وغيرها ومشاريع التنمية الفوقية من خدمات سياحية مطاعم، فنادق، استراحات، أسواق. وحتى تكون السياحة منظمة فمن الضرورة توفير مراكز خدمات بتقديم المعلومات الشاملة والدقيقة، فضلا عن التثقيف البيئي حتى لو احتاج الأمر إلى فرض ضوابط على زوار المواقع السياحية والأثرية، بحيث يتحقق التوازن والتواؤم بين سياحة ناهضة وبيئة لا يكدر وجهها إهمال أو عبث.
وفي ختام المقالة نتفق على أن الباحة قادرة لأن تصعد إلى المربع الأول، على شريطة التخطيط البعيد المدى مع ضرورة الحفاظ على موجوداتها من مبان تقليدية وقرى تراثية، واستثمار مواقعها الموغلة في التاريخ كطريق الفيل الذي يمر من شرق المنطقة والنقوش والكتابات الثمودية التي تسجل حقبة زمنية قديمة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٩-٠٢-٢٠١٦)