عباس المعيوف

عباس المعيوف

عباس المعيوف

لا يكاد يمر يوم إلا وتطالعنا الصحف بقضية جديدة من التحرش هنا وهناك، والأسباب هي الأسباب والتحرش قائم إلى أن تقوم الساعة، ولكن بإمكاننا الحد من هذه القضية، كوننا مجتمعاً محافظاً من باب أولى، وإن كان المفكر الاجتماعي علي الوردي يعزو ذلك إلى النظرة السلبية التي أفرزتها العادات والتقاليد نحو المرأة، كونها عاراً وعورة يجب أن تُغطَّى بقماش أسود من رأسها حتى أخمص قدميها. وأنا هنا لا أدعو إلى التحرر بقدر إزالة الصورة الضبابية لا أكثر.
من القصص المؤلمة التي دعتني إلى أن أكتب هذا المقال، هذه القصة التى وقعت تحت ستار الليل وبين نجمات الدموع، لفتاة تعرَّضت للتحرش من ابن عمها وهي في عمر 10 سنوات، على الرغم من وجودها في بيئة محافظة، لكن وقع ماوقع. مؤلم جداً عندما يحدث التحرش من الداخل، وتزرع ثقتك العمياء في جميع أفراد الأسرة وأقاربهم، كونك ترى في نظرك أن ذلك مخالف للفطرة وهو كذلك، ولكن عندما يسيطر الشيطان فالأمر سهل جداً.
التحرش الجنسي عنوان يحمل في طياته عدة تعريفات، منها الاعتداء اللفظي والجسدي، ويتخذ أشكالاً وألواناً مختلفة من الإشارات والعبارات الغرض منها الإيذاء الجسدي والنفسي.
عندما تغيب القيم الإنسانية ولا يصبح للدين مكان في نفوس البعض، تتهيأ الأسباب للولوج مباشرة في ثقافة التحرش، نتيجة عدة أسباب منها، تأخر سن الزواج والانفتاح على مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام المفتوح الذي يساهم بدوره في وجود بؤر للانحرافات الأخلاقية.
وفي ظل غياب قانون يجرِّم التحرش، يبقى الباب مفتوحاً للنفوس المريضة لتنهش في أجساد من لايمكلون حولاً ولا قوة، ففي دراسة سابقة نشرت في الصحف المحلية كشفت وزارة العدل خلال العام الماضي 1436 هـ أن عدد قضايا التحرش بلغ 2797 قضية في محاكم المملكة خلال العام الماضي، وتصدرت محاكم منطقة الرياض بواقع 650 قضية، ثم محاكم منطقة مكة المكرمة بواقع 430 قضية، وبعدها محاكم المنطقة الشرقية بـ210 قضايا، ومحاكم منطقة المدينة بـ170 قضية، بينما نظرت المحاكم الأخرى قضايا التحرش بالنساء والحدث بأعداد متقاربة. أما على صعيد العمل فهناك 16% من النساء العاملات تعرضن للتحرش الجنسي من قِبل المسؤولين في العمل.
من المهم معرفة مصدر التحرش من أين يبدأ وإلى أين ينتهي، والسعي لإيجاد ثقافة تهتم برفع حالة الوعي ووضع خطوط واضحة للتعامل مع الآخرين فذلك يُعد من ثقافة التنمية البشرية المجتمعية. وسداً منيعاً للحفاظ من الانحرافات السلوكية.
فالتحرش لا يُحدَّد بوقت معيَّن، ولكن توجد علامات من شأنها المساهمة في تهيئة الأجواء، من جهة أخرى يرى بعضهم التحرش الجنسي من داخل الأسرة أكثر من خارجها، والسبب أن الطفل أو المراهق أو حتى الكبير لن يقدم بخطوة التحرش إلا وعنده علم بأن هذا الشخص من أقاربه ولا يعتقد أنه سيفضحه، ولاسيما أنه لا يوجد عقاب بحكم القرابة والمناخ المنغلق اجتماعياً على هذا الأساس يبادر على الإقدام على هده الجريمة (فالأجواء تكون لديه اكثر أمان).
التحرش ظاهرة تقع على عاتق الأسرة في المقام الأول ويتحمل تبعاته كافة أفراد المجتمع، إننا بحاجة إلى معرفة الأسباب وإيجاد حلول على الأقل تحد من تمددها وفي ظل مواقع التواصل الاجتماعي أصبح كل شيء متاحاً وهذا يعني الالتفاف حول الأسرة أكثر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٤٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٩-٠٢-٢٠١٦)