عائشة أحمد سويد

الشماعة أضع عليها ملابسي ومنشفتي وعباءتي، ويأتي عليها وقت أشعرُ فيه بأنها قد تسقط صريعة لكثرة ما حملتها أو تسقط علي وتقتلني بما حملتها..!!!
وأنا على هذا الحال فكرت في كم «بتسكين الميم» الشماعات التي يستهلكها مجتمعي، وجدتها أكثر من أن تُعد (الغرب، الزمان، الظروف، الجهل، المراهقة، الفقر) وغيرها من الشماعات التي تديننا باعتذار شديد لها؛ فبعضها قتلناها وبعضها يقتلنا كل يوم، ومازلنا نبدع في ابتكار شماعاتنا الخاصة، والعالم يتقدم ونحن نتقادم أيضاً ولكن دونما أن نتطور، وتبقى شماعة (التغريب والغرب) الشماعة التي أهلكناها واستهلكناها حتى طالت منا ما تشاء وأخذت أبناءنا وبناتنا، فكل جديد ماهو إلا مؤامرة لجذب أبنائنا إليهم ولإبعادهم عن الإسلام لنبرر فشلنا وخيبتنا وإننا لم نحسن التربية، ولثقتنا بأن زرعنا لن يثمر لأننا لم نحسن سقايته ورعايته فكل تفلُّت منه ليس بسببنا وبسبب طريقتنا في التربية والوعظ ولكن في الغرب ودسائسه، حتى امتلات أعيننا بما نراه من صور غير مشرفة لأبنائنا في تمرد صريح على الدين والعادات والتقاليد، ومن نادى بالمؤامرة وحياكة الغرب للدسائس تجده أول من يلهث ويسعى لابتعاث أبنائه إليه!!؟؟.
قبل كل تقنية حديثة تنهال التحذيرات والمواعظ بأنها دسائس وأنها مؤامرة ولم نفكر بعقلنا لمرة واحدة بأن نواجه ما نسميه (مؤامرة الغرب) بمضاد قوي نجذب به الأجيال عوضاً عن سياسة المنع والتخويف والتنفير التي فاجأتنا بنتائجها، وبأن أبناءنا منفتحون وبزاوية منفرجة أو بمائة وثمانين درجة إن شئت، ولم يعودوا بحاجة إلينا؛ فالعالم تحت إصبعهم يتقلبون فيه كما يشاؤون، وهم من يجد في الغرب ضالته «مع الأسف» التي لم نوفرها لهم واكتفينا لهم بالتغني وسرد اﻷمجاد التي لم يتبقَ منها سوى الأطلال لنكرر ونقول دائماً إن الغرب ينهل من تاريخنا ومن علمائنا.. ولكن أين نحن منهم اليوم؟؟
ثالثة الأثافي شماعة المراهقة التي جاءت لتميع ما تبقى لدينا من أخلاق وقيم، فلم يعد لأحد الحق في سؤالنا عن أبنائنا وسلوكياتهم، لديهم شماعة مطاطية يعلق عليها كل شيء وعلى رأسها إهمال التربية وتنصل الوالدين من واجباتهما وقصور التعليم عن الوفاء باحتياجات الطلاب حتى كان الناتج جيلاً جعلنا على حرف معه، بل وجعلنا نفكر كيف نحمي أنفسنا منه، جيلاً أقل ما أصبح يميزه أنه تبادل معنا الدور، وأصبح هو من يربينا ويملي علينا ما نفعله وما لا نفعله.
السؤال الذي لا أعلم الحد الذي سيقف عنده.. إلى أين سنصل وما هي الشماعة الجديدة التي سنبتكرها؟، كل ما أعلمه أننا جبناء وأضعف من أن نواجه حتى أنفسنا؛ حيث إن الشماعات التي أبدعنا في صناعتها كثرت وأصبحت في كل غرف البيت عوضاً عن غرفة واحدة في السابق، وأصبحنا لا نواجهها بعقل بل ننتظرها لتصبح ككرة الثلج التي ستجرفنا وتأتي على كل شيء وأتخيل أننا حتى تلك اللحظة أيضا سنبحث عن شماعة كما اعتدنا لنرمي عليها ما عجزنا وقصرنا في تقديمه سواء للوطن أو الأجيال.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٥٠) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٢-٠٣-٢٠١٦)