مع التنامي العمراني الحديث في منطقة الباحة، وتزايده بشكل كبير، مما توارت المباني التقليدية لحد التهميش، بل تجاوز ذلك لتُحاصر في دائرتي الإهمال والنسيان، فتساقط كبرياؤها حجراً حجراً، وبوضعها الحالي تدعو للشفقة مما يتطلب استنهاض ما يمكن استنهاضه بإعادة هذا الفن المعماري الأصيل بطريقة تتناغم والظروف الحياتية والبيئة الطبيعية، أو على الأقل الاستفادة باقتباس شيء من أشكالها الهندسية كي نحافظ على الهوية العمرانية كعامل جذب ومورد سياحي قابل للتنمية والاستثمار، لكونها أحد عناصر التراث الثقافي تحكي أسلوب حياة ومفاهيم وتقاليد جماعية، وفي وسط هذا الإهمال التفت النابهون لهذه المشكلة إذ لا يمكن إسقاط الذاكرة فهي جزء مهم من ثقافة المجتمع بل هي قيمة جمالية ينبغي الحفاظ عليها لارتباطها بالعمل الإبداعي والجانب الاجتماعي بحسب الإمكانات والخامات البيئية المتاحة.
والعمارة في أي بقعة على سطح الأرض تعكس ثقافة وحضارة الإنسان ومقدرته على استنطاق الجمال، ولكل بيئة هويتها وطابعها الخاص بما يتواءم مع الإحساس البصري والتذوق العاطفي والتناغم البيئي ويأتي قصر بالرقوش في مرابع حي بني سار بمدينة الباحة واحداً من النماذج الجميلة لفن المعمار التقليدي الذي تتميز به منطقة الباحة، ويزيد من ثراء القصر تكامل عناصره من مبانٍ للضيافة والاجتماعات ومدرسة تأسست في عام 1357هـ (من أوائل المدارس في المنطقة الجنوبية) وساحات وأفنية داخلية وخارجية لإقامة العرضة الشعبية واسطبل للخيول وبئر تتصل بقنوات مائية وصولاً إلى ميضأة المسجد، إلى جانب إطلالات مدهشة من شرفات القصر على مساحات الوادي في منظر آسر، فضلاً عن العناصر الجمالية في التصميم الداخلي وما يزخر به من فنون زخرفية تشكيلية، والقصر مبني من الحجارة كغيره من المباني التقليدية في منطقة الباحة، حيث يزداد سمك المدماك على المتر مرضوم من الحجارة، وهذا الذي يجعل المباني تقاوم عوامل التجوية لقرون من الزمن ويراعى في ذلك أسلوب البناء في رصف الأحجار بأشكالها وأحجامها المتباينة، ويزيد الجون بهاء القصر وهو- أي الجون- عبارة عن حجارة مستطيلة وبارزة في مصفوفة منتظمة تعتلي سقف المنزل وضعت لهدفين، الحماية من مياه الأمطار وإعطاء ملمح جمالي تروق للرائي، أما الأبواب والنوافذ والزفر فهي مصنوعة من خشب أشجار العرعر تتدخل مهارة النجار في عملية التزيين بالحفر ورسم نقوش مقتبسة من البيئة مثل الدوائر والمثلثات والأزهار لتكون في المجمل لوحة أنيقة يزيدها بهاء طلاؤها بألوان زيتية متنوعة تشد نظر المشاهد، وكاد هذا القصر الأثري المهم أن يندثر لولا الوعي والثقافة التي يمتلكها أبناء أسرة بالرقوش العريقة بتسليمه لجهة تعتني به وتعيد ترميمه كما كان، وهي الهيئة العامة للسياحة والآثار التي بالفعل تسلمته وبدأ العمل في ترميمه وإعادة شكله الجمالي السابق ليبقى تحفة معمارية على ثرى منطقة الباحة، ويقول الشيخ عبدالعزيز بالرقوش إن القصر شهد جوانب تاريخية توارثها الأبناء عن الأجداد، كإرث عائلي وتاريخي، مما يميزه تكامل عناصره وتفرده في مساحة واسعة وعدم وجود مباني نشاز داخل إطاره، وأضاف أن أسرتهم تمتلك كثيراً من المقتنيات التراثية والمخطوطات القديمة وعند الانتهاء منه سيتم عرضها ليكون المبنى مزاراً سياحياً وأثرياً يضيف لرصيد السياحة لمنطقة الباحة، ولمّا كان هذا القصر بهذه الأهمية التراثية فإنني أقترح بناء حصن في الساحة الشرقية مع استثمار المصاطب الزراعية المحيطة باستزراع الزيتون والحماط واللوز لتكتمل الصورة باعتبار المدرجات جزءاً مهماً من المكونات الجمالية، ومنطقة الباحة زاخرة بالإرث المعماري في شماله وجنوبه وجميع مواقعها الجغرافية، مما تحتاج إلى المسارعة في الاحتفاظ بها وصيانتها بوصفها منتجاً جمالياً استمر مئات السنين، قبل أن يطغى عليها العمران الحديث ويفقد سكانها ذاكرتهم، بل يخسرون ثروة لا تُقدر بثمن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٥٥) صفحة (١١) بتاريخ (٠٧-٠٣-٢٠١٦)