محمد أحمد بابا – مستشار قانوني، مستشار تعليمي

محمد أحمد بابا

محمد أحمد بابا

حين نربط كل الإجراءات المتوقعة بإجراءات أخرى ذات علاقة بها، ننجح على الصعيد الخدماتي في تمكين المواطن من جودة الخدمة المقدمة إليه، وهذا بالضبط ما سعت وتسعى إليه الدولة في استخدام التقنية لربط الأعمال بعضها ببعض، واستخدام قواعد البيانات للحد من أي تهرُّب، أو تزوير، أو تقديم معلومات غير صحيحة، تضر بالجميع، لنؤمِّن أنظمتنا حين حصول الأخطاء من بعض الضرر فلا يجتمع لنا حشفٌ وسوءُ كيْلة.
ولاشك في أن كل حالات الإنسان في هذا الوطن، تحتاج إلى عناية حتى لا يشطَّ أحد عن الطريق الصحيح في العدل والقسط، وعدم التعدي على الآخرين، أو هضم حقوقهم، ولو كانوا آباءهم، أو أمهاتهم، أو أبناءهم، أو أخواتهم، ولذلك فلا غرابة حين يأتي حديثي هذا في اعتقادي بأننا أصحاب تقصير خدماتي نحو الموتى، رحمهم الله، فيما يتعلق بالإحسان الخدمي لذويهم، وديونهم، ومتعلقات ميراثهم ما جعلنا أصحاب ظلم غير مباشر تجاه هؤلاء بمنعهم حقهم بعد أن توفي مورِّثهم.
يموت المواطن، أو تموت المواطنة، والواحد منهم يملك مالاً منقولاً، وأصولاً ثابتة، وراتباً تقاعدياً، ونحو ذلك، وينشغل ورثته، أو غالبهم بالحزن، ويكسوهم الخجل والشعور الإنساني حتى يمنعهم من مناقشة إجراءات ما بعد الوفاة من حصر إرث، وتقسيم ميراث، بل والنظر في ديون المتوفى والتزاماته، وربما تنفيذ وصيته، ويتفرَّغ جزء من الورثة، وإن كانت نسبتهم قليلة، للتخطيط وحدهم لهذه المهمات، آخذين «وكالة» من البقية على حين حزن.
حتى هذه النقطة ربما يبدو الأمر طبيعياً، لكنِّي، ومن خلال تجربة وممارسة وسماع كثيرٍ من القضايا الخاصة، والاستشارات الاجتماعية، والقانونية، وغيرهما، وحكايا الجيران والأصحاب والمعارف، وجدت من تلك القصص ما يشيب له الولدان، وتنشق الأرض، وتخرُّ جبال الإنسانية هدَّاً خاشعة من هول ممارسات ذوي القربى، لتُردِّد أخواتٌ، وبناتٌ، وأمهاتٌ، وزوجاتٌ لنا في تمتمة «ياليل.. ما أطولك» في موتٍ، وخراب ديار.
يتفرَّد أخٌ، لأنه ذكرٌ، بتولِّي شؤون تركة والده، حارماً أخواته من حقوقهن عياناً بياناً بدعوى أنه يحفظ لهن هذا المال، ويتخلَّى زوج تلك المسكينة منهن عنها بدعوى أنه أمر يخصها، ويعاتبها مجتمعها، ويحذرها من أن تدخل محكمة شاكية، أو طالبة تقسيم الإرث، وتمضي السنون والأيام، وربما مات الأخ، وورث أولاد الأخ المال، وذات التعامل مع أخواتهم، حارمين كل أنثى سابقة، أو لاحقة حتى من حق التوجُّع من ألم الظلم.
أقدِّر جداً روح الإنسانية والخلق، التي يمتلكها غالب المواطنات حرصاً على الجانب الأسري شراءً للذات، وصيانةً من الاتهام بالأنانية، وقطع الرحم المقطوعة حكماً وأصلاً بهذه الأعمال، والتناقضات الغريبة في أبشع الصور داخل أسوار البيوت، مع أن قلوب النساء «لا تفضفض» لأحد بها إلا في غياب الرقيب، وأمن الشر، واختفاء المعرفة المسبقة.
ما يطفو على السطح من قضايا «الاختصام في الميراث» في محاكم الأحوال الشخصية أقل بكثير جداً مما هو في دهاليز التهديد، والإحاطة بالسرية التامة من رجالٍ، رغم ظاهر حُسن خُلقهم ودينهم، إلا أن ما نسمع عنهم منهن، يجعلنا نتوقف اتهاماً لا إدانةً حتى نسمع من الطرف الآخر، رغم أننا نلمس في بعض القصص امرأة تعول أطفالها براتبها، الذي لا يتعدى بضعة آلاف من الريالات، وفي ذات الوقت لها نصيب من تركة والدها المتوفى منذ سبع سنوات، يُقدَّر باثني عشر مليون ريال، زعم إخوتها أنهم لها حافظون منعاً واستغفالاً وظلماً.
أقول: تستطيع الدولة من خلال الجهات الرسمية القضاء على جزء كبير من إمكانية حدوث ذلك بمنع الداعي والسبب قبل حدوث المشكلة، وتشعُّب القضايا، فنرى أنفسنا وكأننا في فيلم درامي، تسلسلت أحداثه بشكل رهيب، يُنسي بعض أجزائه بعضاً.
التقنية الحديثة سمحت بإصدار شهادات الوفاة كما شهادات الميلاد تقنياً، وتصاريح الدفن، ونحو ذلك، وما تبقَّى هو ربط الإنهاء النهائي لإصدار شهادات الوفاة، وبدء صرف مستحقات الورثة في «المعاشات التقاعدية» بذات دائرة المحاكم المتخصصة في إصدار صكوك حصر الورثة، وربط كل ذلك بحصر المال الموروث وفق قواعد بيانات ارتباط المتوفى بمَنْ ورثه وفق معلومات الأحوال المدنية في وزارة الداخلية، والإصرار على أن يأخذ كل ذي حق حقه دون سماح لأن يكون إثبات ذلك بالشهود، والوكالات، التي يُجرُّ كثير من النساء لعملها استحياءً، وربما تهديداً دون خوف من الله، ولا من المجتمع.
بسيطٌ الأمر جداً لتقنية المعلومات في كيفيةٍ ربما يجتمع لها المختصون من وزارات العدل، والداخلية، والشؤون الاجتماعية، وغيرها من الجهات ذات الاختصاص، هم أعلم بها منِّي، لكنِّي أزعم أن إجراءات تقنية مثل هذه تقطع الطريق على مستغلي الضبابية الغريبة في التعامل الميراثي مع النساء دون أن يكون ذلك رادعاً بالكامل ما لم يتعاون المجتمع في توعيةٍ، بأن المرأة إنسان كامل الحقوق والأهلية في ماله المستحق وفق شرع الله القويم تصرفاً وتسلُّماً وإدارة.
سمعت من بعضهم أن ذهاب المال إلى الغريب «الزوج» سببٌ في بعض هذه الأفعال، وما ذلك إلا عذر أقبح من ذنب في إثبات أن مثل هؤلاء النسوة مظلومات حتماً بين سندان الإخوة، ومطرقة الزوج في ذكورية حيفٍ ما أنزل الله بها من سلطان، والأمر لا يحتاج إلا إلى أن نجعل من التعامل مع حادثة الوفاة أمراً تقنيَّ التناول وفق متاحات وإمكانات إلكترونية، سمحت بأن ترتبط مستحقات المؤسسات لدى الجهات الحكومية بشهادة الزكاة والدخل، و«شهادة السعودة»، واشتراك الغرفة التجارية، وسداد التأمينات الاجتماعية، وميراث المرأة أَوْلَى، فلا أقل بأن تحمي التقنية الحديثة المرأة ببصمتها بعد أن عجز جزء من العرف المجتمعي عن حمايتها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٥٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٨-٠٣-٢٠١٦)