هذه الأقدام، التي تركت ثرى الوطن، وألقت بكل عناوينها القديمة، وأحلام صغارها في زجاجة، طفت فوق وجه البحر العاتي، كانت تنتظر “تلويحة إغاثة” منك أيها العالم المتحضر، أو وقفة مشرِّفة على ناصية حلم عربي قديم لطالما تغنينا به، كانت تنتظر دفقة أمل من المنظمات الإنسانية الدولية والحقوقية لإيقاف مهزلة المتاجرة بالأزمات، أو كلمة مواساة، ويداً واحدة تربِّت على أكتاف المتعبين لتمنحهم لحظة صبر لاستيعاب كارثة إنسانية، أحرقت الأخضر واليابس، وحوَّلت حياة الملايين إلى رحلة عذاب، فتلك الوجوه، التي خبَّأت، أو مزَّقت جوازات السفر، وجرَّت خلفها ألف “ذيل” للخيبة والوجع، كانت تسير على غير هدى في رحلة البحث عما يمكن أن يعوضها عن وطن ضروري للأمان والحياة، كانت تنتظر شهقة أخيرة، تنقذها من جحيم الغرق، وويلات التهجير والتشرد، وسرقة أعضاء الصغار والاتِّجار بها.
قالت صديقتي السورية، التي خاضت تجربة اللجوء، إنها كانت تشارك ثلاثة وأربعين لاجئاً رحلة البحر في مركب مطاطي لا يشبه “تايتانك” إلا في تمدده على سطح الماء. كان المركب صغيراً على حجم الأمل لـمَنْ لم تتوقف شفاههم عن التكبير والدعاء والابتهال إلى الله طلباً للنجاة بينما كان الغرق، والموت على مقربة منهم لولا عناية الله، التي أنقذتهم في آخر لحظة بعد تسرب المياه إلى قارب اللجوء المتهالك.
قالت: “لم نكن أكبر من بقعة زيت طافية على صخب الموج، وأن السفن الكبيرة التي كانت تعبر بنا لم تكن قادرة على رؤية أيادينا الباحثة عن أمل واحد في النجاة، ونحن نلوِّح بلهفة لكل ما يتحرك إلى جوارنا، وبعد أن وصلنا إلى إحدى الجزر، وسلَّمنا أنفسنا إلى الجهات الحكومية، تسلَّمنا الـ (خارطية) تلك الورقة الوحيدة المؤدية إلى بوابات النجاة البعيدة. تسلَّمناها كي نعبر إلى الحلم المستحيل، ولكن هذه الورقة لم تفرض مكانتها في حماية اللاجئين السوريين من ويلات التشرد، والنوم في العراء أحياناً، وعدم قدرتهم على الحصول على أكثر من الماء، والهواء، وبعض المأكولات التي لا تشفي غليل الجائعين، إلا أنهم رغم ذلك كانوا يحتفظون بها، ويرقدون وعيونهم تحملق في السماء في انتظار مطر الرحمة من الله في يقين أكيد بعناية الله، فمَنْ يدري ما هي حكمة الله التي يضعها دائماً وراء كل شيء! مَنْ يدري ما يكتبه القدر على هذه الأعداد الهائلة من الراحلين المهجَّرين، فمن الممكن أن يجدوا أنفسهم في نهاية الرحلة، يسكنون في مبانٍ مهجورة باردة شاحبة في أبعد بقعة عن الوطن”.
قالت صديقتي: “إن الرحلة انتهت في آخر محطة للتعب في السويد، ولكن الشعور الأخير بالخيبة أكبر من هول فاجعة اللجوء في نهاية مفتوحة للقدر، فالنوافذ لم تعد تطل على دفء الياسمين، ولا على البحرة وسط البيوت الدمشقية، ولا تطل على مآذن الشام، وأشجار الصفصاف، ونهر بردى، وإنما كانت تطل على لحظات خوف قادم، ومصير مجهول، وخسارة أكبر من خسارة الإنسان، والأهل، والأبناء، والأوطان، خسارة حياة كاملة في أكبر قصة للوجع”.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٥٨) صفحة (٩) بتاريخ (١٠-٠٣-٢٠١٦)