فهد العنزي

لو بدأت تمخر في ذاكرتك منقباً عن شاعر ما اعتاد مصارعة الواقع بأبياته الصارخة، اعلم أنك ستسعل فوراً من فرط ما ستستنشق النيكتوين المتصاعد من فوهة قصائده، فعبر الشعر وبالمسميات المختلفة صرّح البدوي عن تناغمه مع «التتن» وسرد ابن المدينة تماهيه مع «الدخان».
وما إن تقرأ قصيدة لمثقف كنزار أو الماغوط حتى ترى ذاتك تسير في أدغال نصوصهم المليئة بالشاعرية و«التبغ». قبل أيام في السعودية قد نفدت كل سيجارة من السوق، مما دعا معشر المدخنين إلى بدء نزوحاتهم صوب كل متجر وكل ثغر، حتّى تكسرت أخيراً أحلام أصابعهم من سجن ولو سيجارة واحدة، وخمدت رئاتهم دون أن تمتص ذات السموم المعتادة.
ولفرط إنسانيتي ونباهتي العاليتين – حفظني الله – أتفهم مجاعتهم المزاجية جيداً، فبعد أن يحاصر شفتيك عنصر ما ومن ثم تسحب هماً مبهماً وعتيقاً لن تكترث كثيراً للعناصر الكيميائية الضارة التي ستتسلل لجسدك بقدر ما ستحتفي بهذه الرشفات التي نصّبتها شفاءً لوعكات ذهنك وماحية لذاكرة وجعك.
لذا بحكم نشأتي البدوية قد قرأت هذا البيت لبندر بن سرور «يا منير عمرلي من التتن معمار ** يبري الغليل اللي على القلب كالي».
فوراً بعد قراءتي فكّرت بمراسلة شركات الدخان الكبرى لتعويض عائلة بندر – رحمه الله – على هذه الدعاية، التي لن تجني أبداً ثمارها لو قد ألقت إعلاناتها في أكثر المحطات العربية مشاهدة حتّى وإن خفّضت من سعر عبوة الدخان، وفي نهاية رسالتي لهذه الشركات سأوضح لهم بقراءة نقدية تبين أنه كيف لبيت شعري يتيم توغل الشاعر بتركيبة عاطفة أبناء جلدته إلى حد أنه صنع بهم ذهنا معتقا بعد أن بخّر عوالمهم الداخلية بالشعر والنيكتون . في ذات الوقت حتماً لا يقف عاقل مع هذا المرض بقدر ما علينا أن نؤمن بأن «التبغ» بعيني المدخن وبرئتيه هو كيمياء شعوري عذب، ومع شديد الأسف مهما أعيدت تسعيرة عبوة الدخان فازدياد كلفته لن يغدو حلاً للإقلاع عنه، ولن يصبح المال قط مُعِطلاً عن تلبية حاجاتهم المزاجية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٦٤) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-٠٣-٢٠١٦)