دائما ما يصادفك من يتلذذ بتقمص دور «الضحية» ضمن أزقة هذه الحياة وأروقتها المتداخلة تلك التي نخوض غمارها ومعتركها؛ فنجد لدى بعضنا ممن اختاروا مراقبة الحياة وهم يتلصصون على جمالياتها عن بعد، مرددين كلمات التمني ودون أن يعيشوا معانيها، وهم يقفون على ناصيتها ونوافذها ترافقهم الزفرات والتنهدات، ويكتفون بمواجهة أمواجها العاتية والمتلاطمة، مختارين دائما تكرار ذات المقطع وذات القصة، وهم يرددون على مسامعنا ما تركوه خلفهم من متاع الحياة وجمالياتها في سبيل إسعاد غيرهم بعد أن اختاروا أن يلعبوا هذا الدور، معتبرين ذلك تنازلاً عن حقهم في الحياة لأبنائهم؛ ليكون ذلك دليلا قطعيا على إيثار غيرهم على أنفسهم وتقمصهم دور المضحين، وهم يكررون الدور اليومي الذي قد يعفيهم من أي شعور بالأنانية وحب الذات، وهم يجبرون أنفسهم على القيام بكافة معطيات هذا الدور الذي يلعبه عديد من الآباء والأمهات بشكل كبير لإثبات تضحيتهم ونبلهم وتفانيهم في خدمة الأبناء، وسعيهم الحثيث في سبيل تحقيق السعادة التي لم يحصلوا عليها لأنفسهم مع أنه قد كان بالإمكان اختيار سيناريو آخر وحكاية مختلفة يمكن أن تسطر فيها معاني التضحية بتغيير المعادلة إلى طريق أسهل يجعل الإنسان يخرج من دوره في هذه المسرحية الهزلية من القيام بدور المضحي إلى دور الشريك في الإنجاز، وفي تحمل المسؤولية، وفي الحصول على النتائج؛ فجميع الآباء والأمهات يقومون تقريبا بممارسة دورهم في رعاية الأبناء والإنفاق عليهم والتفاني في توجيههم ودعمهم بكل السبل، كما يتفانى بعض الآباء في حرمان أنفسهم من الاستمتاع بأي نوع من الترفيه، وهم يعيشون دور الجنود المجهولين، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يتجاهل هؤلاء أنفسهم ورغباتهم؛ فهم يستطيعون أن يحصلوا على نصيبهم من الحياة والسعادة دون أن ينقص ذلك مما يقدمونه لأولادهم، ولا يجعلهم يعيشون شعور الحرمان والتضحية؛ لأنهم سيعودون في النهاية إلى المربع الأول وبعد أن يمر العمر باهتاً شاحباً دونما فرح أن تعايش مع الحياة سيبدأ هؤلاء في البحث عما فات في وقت قد لا يتيح لهم استرجاع ما مر من أيام العمر الذي مضى، دون أن يذوقوا معانيه التي كانت ستتبدل بتغيير بسيط في تقسيم الحصص من كعكة الحياة بأن يترك هؤلاء لأنفسهم فرصة تذوق معنى افتراضي أخذ معه أهم ما في الحياة وهو «معناها» والعيش فيها بسعادة وعدالة، وحتى لا نستيقظ على أنفسنا بعد أن تبدأ دورة الحياة الجديدة لأبنائنا لنجد أنفسنا في محطة قطار وحيدة على قائمة انتظار معنى واحد للحياة دون أن نحصل عليه؛ ليظل حلماً لا يتحقق وأمنية صعبة المنال.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٦٥) صفحة (١١) بتاريخ (١٧-٠٣-٢٠١٦)