رشا جبران

كثير من أطفالنا أذكياء، يملكون خيالاً واسعاً، ونشاطاً باهراً، ولكن.. مع مرور الوقت يتقلص الخيال، وتتبدل الأفكار، فتصبح أفكارهم كأفكاركم العقيمة، نعم إنكم سبب أسرهم بعُقَدكم، بعاداتكم، حتى بأحلامكم.
إن من أبسط حقوق أطفالنا علينا، هو أن ندعهم يحلمون بأحلامهم، ويسعون خلفها، وإن كانت مستحيلة، لا أن نجبرهم على أن يحققوا أحلامنا الضائعة! من الطبيعي أن توجههم، وترشدهم، ولكن لا تقدهم كالخراف أبداً، اتركهم يسبحون في الأفق بحرية، وراقبهم، فربما تتعلم منهم، وتتحرر من قيودك، وربما تجد أحلامك، أحلام الطفل الذي مازال يسكن في داخلك. ساعدوا أطفالكم بتركهم أحراراً، بتركهم أطفالاً، كلهم براءة وعفوية وحب للحياة، أطفالاً يحلِّقون بخيال أكبر منكم، أطفالاً يحبون بلا حواجز بلا كبت ولا عيب، أطفالاً يحبون بنقاء وسعادة.
الأطفال صادقون، ونحن مَنْ نعلِّمهم الكذب! منفتحون سعداء، ونحن مَنْ نحبسهم! لأننا نكذب، لأننا نقلق، لأننا نحصر تفكيرنا في جزء صغير، ونترك باقي الحياة. أطفالنا يعيشون لحظة بلحظة، ونحن نعيش الأمس، ونفكر في الغد، وننسى اليوم. أطفالنا لا يكرهون، لا يحملون الضغينة، لا يعرفون المكر والخيانة، إنهم فقط يحبون.
ولكن، نحن مَنْ نفسدهم، لأننا المثل الأعلى لهم، لأن عقولهم كآلة التسجيل، تسجل كل ما تراه وتحفظه، ثم تطبقه مع مرور الوقت!
إنهم مقلِّدون بالدرجة الأولى، سريعون في الحفظ، ويلمعون ذكاءً، لكن كلما ازداد عمرهم كلما خفت نور ذكائهم، وكلما نهجوا نهجنا كلما أصبحوا نسخة مطابقة لنا، أو ربما سيخرجون عن الطريق، ويضيعون، ولا يهتمون لذلك أبداً! فقط لأنهم لا يريدون أن يكونوا مثلنا.
لذا اتركوهم، وقولي «اتركوهم» لا يعني «تخلوا عنهم»، بل يعني راقبوهم من بعيد، يعني دعوهم يحلمون، يختارون، يقررون، ويشاركون، دعوهم يمارسون هواياتهم مهما كانت، وعندما يقررون ماذا سيصبحون ادعموهم، ولا تقصُّوا أجنحتهم، وإن طاروا مبتعدين عنكم، فلا تخافوا فإنهم إليكم راجعون.
أعطُوا الطفل الأمن، الثقة والحرية، عندها سيصنع لكم عالماً آخر، عالماً مبتكراً سعيداً وجميلاً. لتصدِّق كلامي، جرِّب أن تعطي طفلك ألواناً ولوحة، وانظر ماذا سيصنع؟ ربما لن يرسم شيئاً مفيداً، أو جميلاً، وحتماً سيعبث بأثاث الغرفة والأرضية، وسوف «يكتسي» وجهه وثوبه بالألوان، ولكنك ستجد أنه سعيد، يطير فرحاً، لأنه لوَّن الواقع والمكان الذي يسكنه، ومنحه الحياة التي اغتلتها أنت!
أنتِ أيتها الأم، اتركيه يعبث، يركض، دعيه يكسر ألعابه لا تقلقي لأنه سيصلحها حتماً، أو ربما سيصنع بها أشياء عجيبة قد تبهرك، وقد تغضبك، ولكن لا بأس، كل الأشياء تهون لأجل أن يكون سعيداً، حرّاً في قراراته، في أحلامه، في نفسه.
عندها ستحصلين على طفل سعيد ذكي مبدع مختلف عن كل الأطفال، طفل سيغير العالم إلى الأفضل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٦٦) صفحة (١٠) بتاريخ (١٨-٠٣-٢٠١٦)