الحياة والفن، يتلازمان لا ينفصلان، بل ويقوِّيان ويدعمان بعضهما بعضاً منذ بداية الوجود الإنساني على الأرض، ويختلف دور الفن داخل كل مجتمع تبعاً للثقافة السائدة بين أفراده وجماعاته، ومدى تقديرهم له ولأهميته. يقول جويو: «إن مبدأ الفن هو الحياة نفسها». إضافة إلى أنه وسيلة اتصال بين الفرد ومجتمعه؛ فهو يساعد على التطور والتماسك الاجتماعي من خلال تناول المواضيع، التي تشغل الناس، فيضع لها حلولاً، ويعبِّر عن المشاعر المشتركة، ويزيد من إحساسهم وتقديرهم الفني والجمالي والوظيفي له، ويعد أيضاً وسيلة للترفيه والترويح عن النفس، ومنه يمكن خلق تيارات، وموجات عارمة من المشاركة الوجدانية، بالإضافة إلى أنه أداة لتربية المشاعر، والتسامي بالحس، وله أيضاً وظيفة عملية تتمثل في الحفاظ على الآثار التاريخية، والثقافة الشعبية والوطنية، وتخليد الذكريات والشخصيات والأحداث.
الفن عليه أن يأخذ دوره في التربية السلوكية والجمالية تجاه المجتمع بفئاته كافة حتى تكتسب الناس القدرة على تقدير الجمال، واستحسانه، ورفض القبح والفوضى العشوائية، فهو نشاط أخلاقي، يهدف إلى تحقيق غايات كليَّة، هدفها الخير والمنفعة، ويحاول الفن أن يوقظ فينا أعمق «الإحساسات الحيوية»، وأرفع العواطف والأخلاقيات، وبذلك يتعدى حدود العمل الفني فلا يصبح مجرد صورة، أو قطعة نحت، أو خزف، أو معزوفة موسيقية، أو مشهد تمثيلي؛ إنما هو كل ما ينتجه الإنسان، وما يستخدمه، وكل ما يتأثر به، ويؤثر فيه، فيصبح الفن ذا تأثير حضاري على سلوك الأفراد والمجتمع سواء أكانوا ممارسين، أو متذوقين له. يقول ستانلي كوبرك: «الفن هو إعادة تشكيل الواقع المحيط وليس خلق واقع جديد».
ومن الممكن أن يوجَّه الفن توجيهاً اجتماعياً ونفسياً ليعيد تشكيل الحياة، ويجعلها أرقى، وقد أثبتت دراسات علمية أثر المسرح في خفض السلوك العدواني للشباب والأطفال، وفي دراسة ألمانية عن الموسيقى الهادئة، أثبتت أن هناك تأثيراً إيجابياً للموسيقى على رفع مستوى القدرات العقلية للمستمع إليها، أما الرسم فله أثر في قراءة الشخصية، ويُستخدم في علاج الحالات النفسية. يقول أرسطو: «إن الفن يمكن أن يعد سياسة لو قدَّرت أهميته تقديراً سديداً، حينها تكون الحياة كلها هي مسرحه ومادته».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٧٠) صفحة (٦) بتاريخ (٢٢-٠٣-٢٠١٦)