فيصل الخريجي

فيصل الخريجي

فيصل الخريجي

إن أجهزة مكافحة ومحاربة الفساد والمفسدين في بلادنا الغالية، تخوض حرباً ضروساً ضد الفساد والمفسدين، تنفيذاً لواجبها الوظيفي والوطني النابع من السياسات والتوجيهات الإصلاحية لمقام خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، وأتوقع لها، بإذن الله تعالى، نجاحاً كبيراً لاسيما في ظل الوعي الكبير للمجتمع السعودي، لكنني، ومن خلال تتبعي كثيراً من المخالفات لبنود القانون والنظام في بعض الوزارات والهيئات والمؤسسات والمجالس والاتحادات، توصلت إلى وجود آفة أشد خطراً من الفساد بحد ذاته، وهي أن يعتبر المسؤول القانون عقبة كؤوداً في طريق تحقيقه الصالح العام، وأن احترامه القانون سوف يحول دون نجاحه، فيقوم بخلق التأويل تلو التأويل، والمبرر تلو المبرر، لكي يخالف القانون والنظام، الأمر الذي يحمل بعضهم على انتهاك القانون، والتعدي على أحكامه استناداً على رغبته في الإصلاح، وأن القانون من منظوره يعرقل إصلاحاته، فيعطي لنفسه «الفتيا» بجواز ارتكاب المخالفة بغرض تحقيق الصالح العام، ويسوق المبررات التي تؤخر سير برامج خادم الحرمين الشريفين الإصلاحية، ومن تلك المبررات التي يطلقها بعض أولئك المسؤولين، أنه يريد تطبيق روح القانون، وليس نصه، أو أن القانون ليس قرآناً منزَّلاً، أو أن المصلحة العامة تقتضي مخالفة القانون، ليجد لنفسه مخرجاً شرعياً، أو نظامياً لارتكاب المخالفة التي ينوي القيام بها.
إن خطورة هذا النوع من الفكر يكمن في أنه يسوِّل للفاسد، والصالح على حد سواء انتهاك القانون، أي انتهاك الشرعية الممثلة في رؤية ولي الأمر فيما يحقق الإصلاح، وكلاهما يعول في انتهاكه القانون على أن القصد منه هو تحقيق الصالح العام، وخدمة الوطن، ما يخلق مسؤولاً فاسداً حسن النية، وآخر سيئ النية، ولكن النتيجة النهائية هي تفشِّي الفساد من خلال تبني مفهوم انتهاك القانون لتحقيق رؤية شخص متعطش إلى تحقيق رغباته باسم الصالح العام، الأمر الذي يعطِّل جهد الدولة الإصلاحي، ويقوِّض أسس الرفاهية والاطمئنان والعدالة.
إن مفهوماً مثل هذا قد نسلِّم به في مجتمع عشائري، أو قبيلة في عرض الصحراء، أو في عرف «المشيخات القبلية»، أما في دولة حديثة وعصرية، تُعتبر رائدة في المنطقة، فإن الصالح العام ينحصر، «يجب أن ينحصر في تطبيق القانون فقط»، كما أن السلطة التقديرية للمسؤول في تحديد ما يحقق الصالح العام محصورة قانوناً في إطار محدد، وضوابط معلومة لا يجوز للمسؤول الخروج عنها.
إلى جميع المسؤولين في بلادنا الغالية: أرجوكم لا نريد الصالح العام النابع من قناعاتكم الشخصية، بل نريد صالحاً عاماً نابعاً من القانون، والقانون فقط، فالقانون والنظام، هو رؤية مَنْ «يسوس البلاد» شرعاً بهدف إصلاحها، أي القانون «أبخص» من المسؤول.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٧١) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٣-٠٣-٢٠١٦)