كنا في السابق نُضرب ضرباً مبرحاً بسبب التأخر في أداء الواجبات وليس بسبب استهزاء أو إزعاج، وكان الأغلبية من الطلاب منضبطين، وكان بعض المعلمين آنذاك يتجاوزون الضرب المباح إلى الضرب المبرّح

انتشر مقطع فيديو تم تصويره في إحدى مدارس الموهوبين بالمملكة عن معلم يضرب طالباً في الصف ضرباً عشوائيّاً قبل فترة، وانتشر كانتشار النار في الهشيم لا «فزعة» مع الطالب وإنما بسبب ما تعوَّدنا عليه كمجتمع؛ حيث أصبحنا ننشر ما هو سيئ وغير مفيد، لا ما هو مفرح ومبشر.
الضرب أصبح من الماضي وهنا تعاميم كثيرة تمنع ضرب الطلاب حتى لو كانوا مخطئين، وإنما يتم عقابهم بأساليب أخرى كالخصم من درجات السلوك أو استدعاء والد الطالب وإنذاره، وإذا لم ينضبط ربما يتم فصله من المدرسة حسب حجم الخطأ الذي ارتكبه، وهذه الأساليب الحديثة غيّرت كثيراً من المفاهيم وأفادت عديداً من الطلاب في التخاطب والتفاهم مع أساتذتهم والمسؤولين في المدرسة، خلاف ما كنا عليه في السابق لا نستطيع التخاطب مع أي مسؤول كان من مسؤولي المدرسة بسبب الرعب الذي سببوه لنا.
كنا في السابق نُضرب ضرباً مبرحاً بسبب التأخر في أداء الواجبات وليس بسبب استهزاء أو إزعاج، وكان الأغلبية من الطلاب منضبطين، وكان بعض المعلمين آنذاك يتجاوزون الضرب المباح إلى الضرب المبرح والمضر وخاصة إذا فقدوا أعصابهم، الضرب أحد الأساليب القديمة في التربية ولم يعد مجدياً هذه الأيام، وأصبح ولي الأمر يتذمر من ضرب ابنه خاصة الذين يتلقون تعليمهم في المدارس الأهلية.
مع تطور الزمن والتغير الكبير الذي طرأ على حياة الناس، أصبح هناك أساليب تربوية حديثة كثيرة في جذب الطلاب والطالبات إلى المدرسة وإلى التميز والاجتهاد، ويجب أن يتبعها جميع المعلمين ومنها: تحفيز الطلاب والثناء الدائم على الطالب المبدع والمواظب، تفعيل دور المرشدين في المدارس وإعطاؤهم دورات تدريبية مكثفة في كيفية معالجة بعض السلوكات الخاطئة من الطلاب وتحويلها إلى سلوكات إيجابية، استخدام مادة الرياضة المحببة للطلاب في معاقبة من يقصر في أداء الواجبات أو من يحدث منه سلوك سيئ داخل الفصل كإيذاء الطلاب أو الإزعاج المستمر في الصف بمنعه من المشاركة مع زملائه أثناء حصة الرياضة.
ما شدني للكتابة في هذا الموضوع هو مقطع الفيديو الذي قام بتسجيله أحد الطلاب من نفس مدرسة الطالب المضروب، مبيناً أن بعض الجهات الإعلامية المقروءة والمرئية حضرت إلى المدرسة لأخذ مقابلة مع الطالب الذي ضربه معلمه، وقد استاء الطالب من هذا التصرف الذي قصد البحث عن الهفوات لا الإنجازات، وكان يقول: أين أنتم عندما حصلت مدرسته على المركز الأول في التميز؟، كذلك أين أنتم من الطالب نفسه عندما حاز على أحد المراكز المتقدمة في إحدى المسابقات؟، وتساءل الطالب: لماذا الإعلام يبحث عن الهفوات ولا يبحث عن الإنجازات؟.
الإعلام كما هو معروف الشريك الأساسي مع كل مؤسسة وجهة حكومية، فبدون الإعلام تكون المؤسسة بعيدة عن الأنظار ولا يعرف الناس ما هو عملها وأداؤها، وهذا هو الدور المطلوب من إعلامنا بجميع صوره، إلا أن بعض الجهات الإعلامية تحاول البحث عن الإثارة والتهويل حتى لو كان ذلك سبباً في الإساءة أو التجريح، وبسبب ذلك أصبح أغلب مجتمعنا -خاصة بعد تنوع الإعلام وانتشار وسائط التواصل الاجتماعي التي أصبحت إعلاماً خاصّاً لكل واحد منا- يبحث عن الإثارة فقط لا عن الإنجازات أو عن المبادرات الناجحة، وهذه إشكالية أزلية أصبحنا نعاني منها، ولو تم عمل قياس لما يسمى بـ «الوسم» أو الهاشتاق في تطبيق «تويتر» لوجدنا أن أغلبه وُضع للنقد والتشفي فقط، لماذا مجتمعنا أصبح يتلذذ ويفرح بسقوط الآخرين؟ ولماذا نفرح بحدوث أي خطأ؟ ونجعل من أنفسنا نقاداً وقضاة نحكم على الآخرين دون أن نتأكد ونتبصر بالأمور لتتضح الحقائق. وقد أضيفُ أيضاً أن المتربصين من أعداء الوطن سواء كانوا في الداخل أو في الخارج يتحينون الفرص تلو الفرص لينالوا من وطننا، فتجدهم يشجعون على عمل بعض الهاشتاقات المثيرة حتى يثيروا الرأي العام من خلال ذلك «الوسم»، وما انتشار مقطع الأخ «معيض» إلا دليل على أننا نبحث عن ما هو سطحي وغير مفيد، حتى الإعلام بقنواته وصحفه ذهب يبحث عن بطل المقطع لمقابلته والتحدث معه.
ختاماً، الإعلام يجب أن يكون منصفاً وعادلاً في أغلب الأمور، وألا يبحث عن الإثارة والتسطيح فقط، نحن بحاجة إلى إعلام محترف متخصص في أغلب المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية حتى يكون إعلامنا داعماً رئيساً لأغلب مؤسسات الوطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٧٦) صفحة (١١) بتاريخ (٢٨-٠٣-٢٠١٦)