المجتمعات الإنسانية مهما تشابهت في مكوناتها العامة، إلاّ أن كلا منها يتمتع بخصوصية ثقافية واجتماعية تميزه عن غيره، وفقاً لظروفه السياسية والاقتصادية، ووفقاً لسياقاته التاريخية، وانفراد مجتمع عن مجتمع آخر بخصائص وصفات هو أمر طبيعي ولا غرابة في ذلك، ولكن الغرابة هي عندما نحاول أن ننظر لكل المجتمعات بذات المقياس ونحاكمها لنفس الصفات والخصائص، هنا تتجلى النظرة الواقعية من النظرة الضيقة عند استخدام تلك الأدوات لإصدار أحكام عامة، التي يترتب عليها إجحاف وإقصاء وعدم مصداقية، والخطورة تكمن عندما تصدر هذه الأحكام من مسؤول له سلطة ويتخذ بسببها قرارات صارمة؛ أو من إعلامي صوته مسموع فتطير بها الآفاق، ويبرز هذا التباين عندما تكون زوايا الحكم لها أبعاد وقناعات فكرية مسبقة.
في لقاء تلفزيوني سألني المذيع عن التعايش؛ فذكرت أن ذلك أمر حتمي لاستقرار المجتمعات، وهو ضرورة وطنية وحاجة إنسانية ومطلب شرعي، فإذا به يقول: ولكن ما يحصل في العراق وسوريا لا يجعل خيارا للتعايش فاللغة الطائفية هي المسيطرة! هنا أصابتني الدهشة من المقارنة غير المنطقية، فكيف نربط الداخل السعودي بما يحصل في مناطق الصراع ؟! ظروف الحرب في العراق وسوريا خلقت العداء والتناحر بين كل الطوائف والأحزاب، بل جعلت من الإنسان أرخص سلعة يستهان بها، وأصبحت لغة السلاح هي الناطقة واستخدمت في شرعنة دورها كل الأجندة السياسية والاقتصادية والدينية والفكرية.
نظرة السياسي للمجتمعات تختلف تماماً عن نظرة الاجتماعي، فالسياسي يجعل من أدوات الصراع مقياسا؛ أمّا الاجتماعي فيجعل من أدوات السلم مقياسا، فهو يرى في قيم التعايش والتسامح طريقا للتنمية والتقدم ونشر السلام واستقرار الأمن، لذلك فمقارنة السعودية بالعراق وسوريا من ناحية الرؤية للتعايش فيه ظلم كبير للمجتمع السعودي، الذي يسعى للسلام الداخلي ويتطلع للأمن الاجتماعي، ولكن السؤال المهم: لماذا لا تقارن السعودية بنماذج إيجابية موازية لها مثل سلطنة عمان أو دولة الإمارات! فهي بيئات نشترك معها في كثير من الخصائص والسمات، طبعاً ليس بالضرورة أن تكون هي نماذج مثالية ولكنها ليست العراق وسوريا، نسأل الله لهما السلام والأمن، فحتماً نحنُ لسنا هُم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٧٧) صفحة (٦) بتاريخ (٢٩-٠٣-٢٠١٦)