عبير آل جبار

عبير آل جبار

استخدام مفردة الأرنب يتعدد حسب مدلولات الاستخدام، ولكنه في غالبه يأتي للدلالة على أمر سيئ، فمثلاً: «أرنب» يعني كذبة، وأحياناً السرعة في تبني ما هو سيئ، والترويج له، كما في المقولة التي أقتبسها من الإعلامي محمد أبو عبيد، الذي يقول: «تسير الشائعة على ظهر أرنب، بينما الخبر الجيد يسير على ظهر سلحفاة». حقيقةً أجد تلك العبارة صحيحة حتى في تبني الأفعال والأفكار.
الجميع كان يعرف مَنْ هو دونالد ترامب، الذي اعتدنا عليه مليارديراً موجوداً بأمواله، وشركاته، وبرنامجه، الذي تُرجم في إحدى القنوات العربية من أجل الاستفادة من عقليته المالية، فكانت شخصيته، وأفكاره تختصان بالأموال فقط، وهذا ما قرأه بعضهم أيضاً في كتابه، الذي ترجمته إحدى المكتبات العربية، فهو في حقل الأعمال والاستثمار يقدم تجربة غنية بالدروس، بيد أن هذه «العدوى على ظهر سلحفاة»، «كناية عن بطء استيعابها وتبنيها» قلةٌ هم الذين تلقفوها للاستفادة منها في بناء المشاريع، وتسريع وتيرة الأعمال والاستثمار.
وكعادتنا بصفتنا مجتمعاً شرقياً، نتلقف السيئ بسرعة الأرنب دون أي تردد، ما إن بدأت ترشيحات الانتخابات الأمريكية وظهر دونالد ترامب بصفته أحد المنافسين عن الحزب الجمهوري، وسماع تصريحاته النارية في حق المسلمين، وأنه سيقوم بطردهم في محاولة منه لاستقطاب أكبر عدد من أصوات الناخبين، وإساءته المستميتة إلى الإسلام بصفته ديناً، حتى ظهرت مجموعة من الكتَّاب الذين ينعتونه بالجنون، وهذا لا جدال فيه، لأن الأمريكيين أنفسهم ينعتونه بذلك، خصوصاً أن أمريكا، وكل الدول المنضوية تحت ميثاق هيئة الأمم المتحدة تكفل حرية الدين، ولكن في المقابل هناك كثيرون تبنوا عنصريته وجنونه من بني العرب.
عدوى ترامب الاستثمارية، كانت ومازالت سلحفاتية، وليست أرنبية، بالمقابل عدوى ترامب العنصرية أرنبية، ولا مجال لأن تكون سلحفاتية، ولو وضعنا سور الصين العظيم أمامها. هناك أصوات «نشاز» تبنت بسرعة البرق هذه العنصرية، وأصبح «تويتر»، «يعج» بـ «هشتاقات» ليست من أخلاقيات العرب، الذين كان يضرب بهم المثل في أخلاقهم. العنصرية ليست بالسباب، والشتائم، أو محاولة إسكات صوت الآخر المختلف معنا، العنصرية هي أن نفضل مبادئنا السيئة، ونترك الصالح منها، العنصرية أن نركض خلف كل سيئ، ونصفق له، ونتناقله بيننا وكأنه المفيد، الذي ينبغي علينا أن نعرفه، العنصرية أن نكون أرنبيين، نشحذ كل الهمم في محاولة لتبني أسوأ ما يمكن أن يكون بدل أن نكون سلحفاتيين في «خيار الأمور»، وأفضلها لأمة قيل عنها: إنها خير أمة أخرجت للناس.
الوازع الأرنبي لا يتحرك للأفكار المغمورة في الغرب، ولكن عنصريتنا تجاه السيئ، الذي نفضله تجعلنا نأخذها على ظهر سلحفاة، ولن تصل أبداً إلينا إلا إن شاء الله ذلك.
وفي الختام:
لكي يعمل الوازع السلحفاتي، والأرنبي في داخلنا بشكل صحيح لابد أن نحدد ما هي الأفكار والأفعال التي يجب أن نتبناها بسرعة الأرنب، وهي بالتأكيد في صالح الإنسان، ونجمع كل ما هو عكس ذلك، ونضعه على ظهر سلحفاة، وننساه هنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٧٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٣٠-٠٣-٢٠١٦)