ببساطة الحياة القديمة وتلقائية حدوث الأشياء عشنا في مدننا وقرانا النائية في «زماننا الطيب» وأهله الطيبين، وتعلمنا بأبسط الإمكانات ببديهية قناعتنا بكل مغنم نحصل عليه من الغذاء والكساء والتعليم، وشعورنا بأن الحظ حليفنا إذا حصلنا على وجبة تسد الرمق، وغطاء يجيب عن أسئلة البرد القارس. كانت عيوننا تلمع بريقا وتطلعا للقادم في شغف نحو التطور البطيء والبائس الذي كان يحيط بحياتنا اليومية التي كانت تبدأ من الاستيقاظ المبكر وممارسة طقوسنا الإنسانية في العيش ضمن دورة الحياة بشكلها البدائي والرتيب والمكرر، لم نحمل معنا إلى مدارسنا سندوتشات الهامبرجر والعصير والمرطبات، ولم نحلم برحلة على متن سفينة عابرة أو إجازة استثنائية، كانت أيامنا جميعا متشابهة، ولم نكن نحتاج أن نصور سنابات لنعمم رسالة عن عشائنا البسيط الذي تناولناه ليلة أمس، ولم نعترض على مسطرة المعلم وهي تلسع أناملنا الصغيرة، ولم نمتعض من النوم بعد صلاة العشاء مباشرة، ولا من عدم توفر مواقع ترفيهية أو مقاهٍ ومطاعم ذات طراز فريد، لم تتوفر لنا وسائل اتصالات إلا في وقت متأخر من حياتنا، ولم نكن نسأل أين شبكة الإنترنت ونركض في أروقة منازلنا باحثين.
كنا أبسط من ذلك بكثير، وكانت التلقائية هي الشعار الذي يمكنك أن تقرأه وأنت تراقب حبال الغسيل في بلدتنا وأبواب منازلنا المشرعة تلك التي أخذت من حضارة المدينة وتطورها كسيدة عجوز أدمنت النوم تحت اللحاف ولا تريد الحراك إلا في أضيق الحدود، وعلى الرغم من ذلك كنا سعداء بخبزنا الذي كنا نغمسه في كوب الشاي أو بساندويتش الزعتر أو السكر والسمن، كنا لا نملك أغلى اللعب ولا أجهزة الحاسوب وبرامجه الذكية، كنا سعداء بالأخشاب نحولها إلى دمى، وبالطين نقتبس منه شكل أحلامنا، ومن العلب الفارغة نحولها لأساور الزينة، ومن بقايا الأشياء نصنع منها فرحة عجيبة، لم نكن نسأل أو نعترض أن نناقش، ونقبل كل شيء على علاته كما يجيء صامتين دون أن يكون في قلوبنا غصة سؤال المحرومين، فما نحن فيه يسمى «ستر الحال» . وعندما أتطلع إلى الجيل الجديد وبعد هذه النقلة الحضارية المهولة؛ أعتقد أن كل واحد منا يقرأ حالة عدم الرضا والقناعة بكل هذا الترف والزخم والتطور والرفاهية التي لحقت بكل معطيات الحياة فكلما وفرت أهم الكماليات فوجئت بأنك متهم بالتقصير؛ لأنك لم تواكب الأحدث وتواجه أحزان هذا الجيل المتطلب، التي لا يمكن مجاراتها عندما تجلس وحدك متأملا هذا الفارق الكبير بين جيل الرضا وجيل اليوم، ستعرف أن الفارق نابع من التقليد ومن معطيات حضارة جعلت الأجيال الجديدة أكثر طلباً لمزيد من الرفاهية التي لا تستطيع إيقافها حتى لو جلست لساعات وأنت تحكي عن حياتك البسيطة التي لن تقنع أحدا بالإنصات إليك فلا تسمع سوى صوت ذكرياتك التي ستظل لك وحدك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨١) صفحة (١١) بتاريخ (٠٢-٠٤-٢٠١٦)