خالد آل جلبان

ضجيج الإرهاب الذي نسمعه كل يوم ليس إلا قمة جبل جليد ضخم يتمدد تحت سطح المجتمعات على هيئة إرهاب ناعم يغذي الإرهاب الخشن ويستفيد من تسليط الضوء عليه ليتسنى له تحقيق أهدافه دون ضغوط.
لتحقيق المكاسب والأهداف يتطلب الأمر استخدام القوى المختلفة التي تتباين ما بين القوى الخشنة التي تكلف كثيراً ويترتب عليها خسائر قد يصعب علاجها في حال فشلها وتؤدي في كثير من الحالات إلى نهاية من قام بها، وبين القوى الناعمة التي يمكن التستر من خلفها أو التنصل من نتائجها وتبريرها أدبيّاً أو قانونيَّاً حيث تركِّز على برمجة وتوجيه الجو العام لتحقيق الأهداف المبتغاة دون العمل المباشر، بل من خلال الفئة المستهدفة ذاتها وعلى حسابها، ولقد أصبح هذا النوع من القوى أكثر إغراءً وسهولةً في ضوء تزايد الأدوات الناعمة كالسياسة والمال والمؤسسات التعليمية والتجارية ومؤسسات المجتمع المدني وسهولة التواصل واختراق المجتمعات إعلاميّاً بمجرد ضغطة زر، ولذلك تبنت كثير من الدول والتيارات والأحزاب منذ تسعينيات القرن الماضى مبدأ القوة الناعمة، حيث النعومة لا تعني بالضرورة اللين واليسر، فليس هناك أنعم من حية الرمل، ولا أخطر من مرض السرطان الذي ينتشر بلا ألم، فحققت الحروب الناعمة ما عجزت عنه أعتى الجيوش، وتتمثل خطورة النعومة في هدوئها حيث تسير بلا ضجيج، ولا ممانعة تشكل عقبات دون تحقيق الهدف.
الجماعات المتطرفة – كعادتها- تتبنى كل نهج يثبت نجاعته أيّاً كان مصدره إما كسياسة مستقلة أو دعماً للقوة الخشنة كتجييش المجتمع من خلال النظام التعليمي والأعمال التجارية والثغرات القانونية ووسائل التواصل الاجتماعي وتشكيل مجموعات ضغط مهمتها تحويل الأتباع إلى نجوم وتحول المخالفين إلى شياطين في نظر المجتمع عن طريق التقية والخداع والفجور في الخصومة وتوزيع الأدوار واللاعبين في مربعاتهم وفقاً لأدوارهم لرسم طريق يؤدي -فحسب- إلى مصالحهم وأهدافهم وليصل الضغط إلى متخذ القرار كي يقصي المخالفين عن مراكز صنع القرار هرباً من الممانعة وحفاظاً على مكانته وبحثاً عن دروب السلامة وكسباً لرضا المجتمع وطلباً للتعاون ولو كان ذلك على حساب النظام العام؛ الأمر الذي يؤدي في نهايته إلى «تصفية» المخالفين وتمكين المتعاطفين بغض النظر عن الكفاءة أو الأمانة، ويتفشى هذا النوع من الإرهاب في كل المستويات ابتداء من المجتمع الصغير كالوحدات الإدارية إلى المجتمع العام، وقد تتجاوز حدود الدول باستخدام مظلة «الأممية».
الإرهاب الناعم – بلا شك- أكثر خطورة وفتكاً من الإرهاب الخشن لأنه يسري متغلغلاً بين عروق المجتمعات والدول دون الشعور به كونه متخفياً في عباءة النظام العام في انتظار اللحظة المناسبة التي تتهيأ فيها الظروف لتحقيق الهدف المبتغى سواء كان فرديّاً أو فكريّاً أو سياديّاً وحينها تلبس العباءة الحقيقية.
يبقى وعي المجتمع والمؤسسات والأفراد بهذا النوع من الإرهاب، وكذلك التعامل في شؤون الحياة اليومية بموضوعية دون مداراة وتفعيل سيادة النظام والابتعاد عن الاسترضاء في الجوانب السيادية والإدارية، هو الأسلوب الأمثل لإبطال مفعول هذا النوع من الإرهاب كسلاح «ناعم» أو داعم لأهداف الإرهاب.
يقول أبو ذؤيب:
ثوب الرياء يشفُّ عما تحته
فإذا التحفت به فإنك عاري

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٢) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠٤-٢٠١٦)