هناك صفات مهمة لابد من وجودها في الصديق الصالح ومنها: الأمانة والوفاء والصدق وحسن الخلق والتعامل، فكل هذه الصفات إذا حضرت فإنها تكون معينة على الصحبة الصالحة ونقائها واستمرارها

الرفقة الصالحة هي التي تعينك على الطريق القويم في حياتك وتدلك عليه، ودائما عندما تريد أن تسأل عن أي شخص تسأل عن رفقته من هم، وعندما تدعو لأبنائك تدعو الله بأن يجنبهم جلساء السوء وتدعو لهم بالرفقة الصالحة.
عند اختيارك الجليس الدائم لك فإنك تحرص على الاختيار الأمثل والمناسب لك، وتحاول أن تبتعد كل البعد عن الأصحاب ذوي الحسد والغيرة، وتبتعد أيضاً عن الجلساء النفعيين الذين لا يبحثون إلا عن منافعهم الشخصية ولا يبالون بك ولا يهتمون بما يحدث لك، الجليس الأنيس هو الذي يخفف عنك همومك، وهو الذي يقف معك في الظروف السيئة عندما تحدث لك. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في الجليس الصالح «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد لا يعدمك من صاحب المسك، إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة»، وهناك صفات مهمة لابد من وجودها في الصديق الصالح ومنها: الأمانة والوفاء والصدق وحسن الخلق والتعامل، فكل هذه الصفات إذا حضرت فإنها تكون معينة على الصحبة الصالحة ونقائها واستمرارها.
اعتاد الخلفاء والسلاطين والملوك في السابق على انتقاء البطانة الصالحة لتعينهم على فعل الخير والبعد عن المظالم، فكم من خليفة أو ملك ذهب ملكه بسبب بطانته الفاسدة التي دلته على الظلم وعدم العدل والرحمة بالرعية، لـذلك كان الخلفاء والسلاطين يتباهون بجلسائهم الصالحين خاصة أهل الدين والعلم والأدب والفكر، فكانت مجالسهم مفتوحة لهؤلاء، ويُذكر عن الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه- أنه كان له جلسة كل مساء تبدأ بعد صلاة المغرب تضم العلماء والمفكرين والقادة والسياسيين، وقد استفاد كثيراً – طيب الله ثراه- من فكرهم وعلمهم وآرائهم، فكانوا نعم المعين له في تأسيسه للدولة، وتنظيمها وسن النظم الجديدة للدولة، وتبعه أبناؤه الملوك من بعده في الاختيار الأمثل لمن يحضر مجالسهم، وتروي بعض المصادر التاريخية قصة جميلة حصلت لأحد أمراء الموصل في عهد الخليفة المأمون العباسي وهو: محمد بن حميد الطوسي الذي مات مقتولاً سنة «212هـ»، كان ذات يوم على غدائه مع جلسائه وإذا بصيحة عظيمة على باب داره، فرفع رأسه وقال لبعض غلمانه: ما هذه الضجة؟ من كان على الباب فليدخل. خرج غلامه ثم عاد إليه وقال: إن فلاناً أُخذ وقد أُوثق بالحديد، والغلمان ينتظرون أمرك فيه؛ فقال رجل من جلسائه: الحمد الله الذي أمكنك من عدوك، فسبيله أن تسقي الأرض من دمه؛ وأشار كل من جلسائه عليه بقتله على صفة اختارها، وهو ساكت ينظر إليهم. ثم قال: يا غلام فك عنه وثاقه، وأدخله إلينا مكرماً، فأُدخل عليه رجل لا دم فيه؛ فلما رآه أشفق عليه، ورفع مجلسه، وأمر بتجديد الطعام، فأكل حتى شبع، فأمر له بكسوة حسنة، وأمر برده إلى أهله مكرماً، ولم يعاتبه على جرم ولا جناية.
ثم التفت إلى جلسائه وقال لهم: إن فضل الأصحاب حض الصاحب على المكارم، ونهيه عن ارتكاب المآثم؛ وأن يحسن لصاحبه أن يجازي الإحسان بضعفه، والإساءة بصفحة، فإنه ينبغي من يحضر مجالس الملوك أن يُمسك إلا عن قول سديد وأمر رشيد؛ فإن ذلك أدوم للنعمة، وأجمع للألفة، وقد دونت كتب التاريخ من كتب السير والتراجم وغيرها كثيراً من القصص التي تحكي عن فضل الصحبة الصالحة.
ونحن في هذا العصر المتغير في أغلب نواحيه، يتوجب علينا أن نتابع فلذات أكبادنا ومن لهم حق علينا في اختيارهم لأصحابهم، فلا نهملهم مع أجهزتهم الذكية التي أصبحت هي صحبتهم في كل وقت، فتأثيرها قد يكون سبباً في انحرافاتهم السلوكية أو الفكرية لا قدر الله، والشواهد ماثلة أمامنا اليوم فيمن استطاع التأثير على أبنائنا من خلال التواصل بهم وحثهم على أعمال إرهابية لا تمت للدين بصلة، مما تسبب ذلك في انحراف فكرهم إلى معاداة الدولة ومجتمعهم وذويهم، نحن بحاجة إلى اليقظة في منازلنا ومدارسنا لمتابعة أولادنا في كل أمر قد يشكل عليهم ويؤثر فيهم، والنماذج الماثلة أمامنا واضحة للأفعال التي نفذها بعض المغرر بهم في أقرب الناس إليهم، ولزاماً علينا تشجيع أبنائنا على التواصل مع الأصدقاء الأوفياء والمخلصين لهم حتى نكون قد ضمنا أن بوصلة أبنائنا في الطريق الصحيح.
ختاماً الرفقة الصالحة هي التي تُعين الإنسان على فعل الخيرات واجتناب المحذورات والشبهات، وقديماً قيل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٣) صفحة (١١) بتاريخ (٠٤-٠٤-٢٠١٦)