في مقالة وزير التعليم الدكتور أحمد العيسى تحت عنوان «تعليمنا إلى أين»، وهو العنوان ذاته لمحاضرة سبق أن ألقاها الدكتور الراحل محمد الرشيد – يرحمه الله -، أشار العيسى في مستهل مقالته إلى المنجز الذي تحقق خلال عقدين من الزمن، سواء على مستوى الكوادر البشرية من قياديين ومعلمين وطلاب أو على مستوى المناهج التي حققت تطوراً ملموساً، فضلاً عن وجود مؤسسات تدعم النظام التعليمي، وينعطف في سياق مقالته بعدم رضاه عن التعليم الجامعي بوصفه دون مستوى الطموح – بحسب كلام الوزير- ولا تزال مخرجات نظامنا التعليمي أضعف من أن تواجه التحديات، وكأني به يود القول بأن الطموحات أعلى والآمال أبعد مما هو حاصل، حيث يعاني النظام التعليمي من هشاشة في البناء، مما يستدعي الالتفات إليه، وتعزيز البناء باعتبار التعليم أهم مكون حضاري وثقافي وفكري لأي بلد في العالم، ولا يمكن أن تنهض الأمم دون تعليم يتكئ على قاعدة متينة باكتمال كل العناصر المعززة من معلم نابه، ومناهج محفزة على التفكير ومشجعة على التواصل، ومبان مدرسية مكتملة المرافق، وقياديين متميزين، وحتى تكون المكاشفة واضحة أمام معالي الوزير.
أولاً؛ تعاني كثير من المباني المدرسية من افتقادها عناصر الجذب، مما يجعل الطلاب يعيشون مللاً واضحاً، ويمكن لمعاليه المرور على أقرب مدرسة من وزارته قبيل انتهاء الدوام الدراسي، ليرى فرار الطلاب بشكل لافت ومحزن، ويمكن مقارنة ذلك بطالب في ماليزيا أو بريطانيا أو إحدى الدول الناهضة في التعليم، هنا تتقافز الأسئلة: هل السبب المبنى المدرسي؟ أم المناهج ذات الفائض من الحشو؟ أم الطرائق التدريسية التقليدية التي يتخذها المعلمون؟ أم النظام المدرسي برمته؟. أما فيما يتعلق بالاحتياج إلى إعادة صياغة الأنظمة والتشريعات والتعليمات المنظمة فهذا عمل ليس بصعب، والوزارة هي المعنية به ويمكن أن تحدث التغيير والتطوير إذا أرادت، ليعزف الوزير في سياق مقالته على شأن يتعلق بالمعلمين، بأن هناك تضخماً مما يزيد استهلاكهم عن 90 % من ميزانية الوزارة، ولا شك أن رواتب المعلمين حلال زلال عليهم مقابل جهدهم وتعبهم، وفوق ذلك هم يعانون من أشياء ربما لم تغب عن فطنة الوزير.
المعلم هو الذي يسدد كامل تكاليف علاجه وأفراد أسرته بالكاش، في حين يستفيد غيره من التخفيضات، فهل يستطيع حل هذه المعضلة؟
المعلم يحصل على مبلغ زهيد لقاء خدماته التي تنهك جسده وتضعف بصره، في حين أنَّ آخرين يتمتعون بالبطاقة الذهبية، وشتان ما بينهما.
أما حركة المعلمين والمعلمات فهي في قبضة الوزارة بنظامها الإلكتروني ولا تلتفت إلا لمن يستحق النقل، ثم نأتي إلى الكتب المدرسية وهي ذات أهمية بالغة، ويمكن تشكيل نخبة من القادرين على تأليف الكتاب المدرسي بما يتوافق مع السياسة التعليمية، وبما ينسجم مع التوجه السليم مع ضرورة اجتثاث الغث الذي يرهق الطلاب دون تحقيق فائدة تذكر، العبرة بالكيف لا الكم.
أقترح على الوزارة الاهتمام بالمعلم من جميع الجوانب، باعتباره العمود الفقري في النظام التعليمي، ولا يتأتى ذلك إلا بالتحفيز المالي، والتشجيع المعنوي، وتهيئة فرص التدريب المجودة عن طريق المراكز التدريبية التي تحتاج إلى التفاتة قوية بتطويرها وتوفير الكفاءات التدريبية العالية المستوى، سواء من داخل المملكة أو خارجها، لذا أتمنى من الوزارة المبادرة بوضع خطة متكاملة لتوفير المدرب المتمكن، سواء بتدريبه في الداخل أو الخارج، وهو بدوره يقوم بتدريب المعلمين في مواقع مناطقهم.
أما فيما يتعلق بزيادة الهدر من جراء انخفاض أعداد الطلاب في المدارس، إذ إن بعض المدارس لا يتجاوز عدد طلابها مائة طالب، فالحل سهل بإقامة مجمعات مدرسية عن طريق ضم عدد من المدارس المتجاورة، وهنا الفائدة ليس فقط في التقليص من الهدر المالي، بل إن التعليم في المدارس ذات الأعداد الطلابية الكثيرة أفضل، حيث يمكن تشكيل مجموعات تعليمية وفرق رياضية وكشفية وثقافية واجتماعية وفنية، التعليم لا يقوم على الجانب النظري بل من الضرورة بمكان تفعيل دور الطالب واستثمار قدراته وطاقاته وإشباع رغباته من خلال الأنشطة الطلابية المتنوعة، وهذا الذي تفتقر إليه المدارس ذات الأعداد القليلة.
أعجبني في نهاية المقال عزم الوزارة على تحسين البيئة الإدارية في الوزارة وإدارات التعليم مع تفكيك المركزية، لتصبح كل إدارة وزارة مصغرة تقوم بما تقوم بها الوزارة الأم. وحتى يتحقق ذلك لابد من توفر شرطين مهمين عند اختيار القياديين: الكفاءة والتأهيل، يدعمهما الإخلاص في أداء العمل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٤-٠٤-٢٠١٦)