الباحث همام لـ الشرق: الشراكة السعودية ـ المصرية دعم لاستقرار المنطقة

جمال همام

طباعة التعليقات

أبهاعبده الأسمري

أكد الباحث في العلاقات الخليجية – المصرية مدير النشر في مركز الخليج للأبحاث جمال أمين همام أن العلاقات السعودية – المصرية تاريخية واستراتيجية في آن معاً، فجذورها ضاربة في أعماق التاريخ، ثم أرسى قواعدها في العصر مؤسس المملكة العربية السعودية جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل ـ طيب الله ثراه ـ وجلالة الملك فاروق الأول ملك المملكة المصرية، وكانا لهما فضل تأسيس وتأطير العمل العربي المشترك في القرن العشرين من خلال تأسيسهما جامعة الدول العربية في منتصف أربعينيات القرن الماضي، ثم جاءت زيارة الملك عبدالعزيز التاريخية لمصر التي استمرت 12 يوماً في يناير 1946م، لتغير مجرى الأحداث العربية، وكانت زيارة غير مسبوقة في التاريخ العربي والإقليمي، وأسست لملامح المنطقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، واستقبلت عديد من المدن المصرية المغفور له بإذن الله تعالى جلالة الملك عبدالعزيز، والتقى بعديد من المسؤولين والمثقفين والوجهاء والأعيان والعلماء، ووثقت عديد من الكتب والدراسات فعاليات هذه الزيارة وما تم خلالها وما نتج عنها من دعائم أسست لشراكة سعودية ـ مصرية بعيدة المدى والأثر قلما تحدث بين كثير من دول العالم، وفي هذه الزيارة احتفلت جميع المدن والقرى المصرية بالعاهل السعودي، وتمخض عنها بيان يؤكد على أهمية التعاون العربي والدفاع عن قضاياه.

زيارة الملك عبدالعزيز

ووجه الملك عبدالعزيز برقية للشعب السعودي عقب انتهاء الزيارة قال فيها «في كل شبر مشيت فيه من أرض الكنانة وجدت من الحفاوة والإكرام ما لا يحيط به الوصف، ولا يفي بحقه الشكر، فقد كانت قلوبهم تتكلم قبل ألسنتهم بما تكنه لي ولبلادكم من حب، «وذكر جلالته» أنه لم يكن في كل ما رآه وسمعه ولمسه من قريب أو بعيد شيء ما من التكلف»، وأضاف «ليس البيان بمسعف في وصف ما لاقيته، ولكن اعتزازي أني كنت أشعر بأن جيش مصر العربي هو جيشكم، وجيشكم هو جيش مصر، وحضارة مصر هي حضارتكم، وحضارتكم هي حضارة مصر، والجيشان والحضارتان جند العرب».
ومن حسن الطالع أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز كان مع والده الملك عبدالعزيز في زيارة مصر آنذاك، وقلده الملك فاروق الوشاح الأكبر من نيشان النيل؛ حيث تم تعديل نظام إهداء الأوسمة والنياشين في مصر الذي كان ينص على الإهداء لمن هم فوق سن الحادية والعشرين، وأهدى الملك فاروق هذا الوشاح لكل أنجال الملك عبدالعزيز المرافقين لوالدهم.

مواقف خالدة

واستمرت العلاقات المصرية ـ السعودية متدفقة قوية عميقة بعد ثورة يوليو عام 1952م، في مصر، وللمملكة العربية السعودية مواقف خالدة في مساندة مصر في تلك الحقبة؛ حيث أيدت قرار تأميم قناة السويس، ورفضت تأييد الموقف الأمريكي الذي روج إلى أن تأميم القناة ضار بالمصالح السعودية، وكان رد الملك سعود بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير فيصل بن عبدالعزيز ـ رحمهما الله ـ رداً حاسماً على الوفد الأمريكي الذي زار المملكة بهذا الخصوص، وقال الملك سعود (إن قرار التأميم شأن مصري خالص، ومصر دولة مستقلة وذات سيادة، ونحن نؤيد هذا القرار)، وعندما اعتدت ثلاث دول على مصر هي بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعد تأميم قناة السويس، وهو ما يُعرف بالعدوان الثلاثي عام 1956م، وقفت المملكة إلى جوار مصر، بل إن أنجال الملك عبدالعزيز تطوعوا وارتدوا الزي العسكري وذهبوا إلى الدفاع عن مصر ومن بينهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ وبعد حرب يونيو عام 1967م، وقفت المملكة وقفة تاريخية شجاعة مع مصر وشقيقاتها العربيات لنصرة القضية الفلسطينية، والمصريون والعرب جميعاً لن ينسوا مواقف المغفور له بإذن الله تعالي جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز، تلك المواقف التي بدأت ومازالت مستمرة في تأثيرها وثمارها، ولعل القمة العربية التي عقدت في الخرطوم عقب النكسة في 29 أغسطس 1967م، وعرفت بقمة اللاءات الثلاثة كانت نقطة تحول في تاريخ العمل العربي المشترك، ومهدت لانتصار الأمة في حرب أكتوبر عام 1973م، ففي جلسات هذه القمة قدم جلالة الملك فيصل مبلغ 50 مليون جنيه إسترليني لدعم المجهود الحربي العربي، وقاد حملة عربية لدعم دول المواجهة قادت إلى تحديث وتسليح الجيوش العربية في مصر وسوريا، بل قاد حملة لتأسيس الصناعات العسكرية العربية المشتركة، بل إن كثيراً من المصادر السياسية والعسكرية في مصر تؤكد أن قرار حرب أكتوبر الذي اتخذه الرئيس الراحل محمد أنور السادات كان سرياً جداً ولم يطلع عليه أحد سوى الملك فيصل بن عبدالعزيز لكونه الشريك والداعم والمُآذر للقضايا العربية والمدافع عنها.

شراكة استراتيجية

استمرت الشراكة الاستراتيجية بين الشقيقتين مصر والسعودية في عهد الملوك العظام من أبناء الملك عبدالعزيز، ففي عهد جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ شارك المصريون مع إخوانهم في المملكة في استكمال بناء النهضة السعودية الحديثة، ثم شهدت هذه العلاقات تنامياً كبيراً في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ، وهذا ما شهد به الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في واحدة من خطبه؛ حيث قال: في وقت القطيعة العربية لمصر بعد معاهدة كامب ديفيد، فوجئت بمراكب تحمل غلال القمح في الموانئ المصرية، وكانت تحمل هدايا من الملك فهد بن عبدالعزيز للشعب المصري عندما علم بحاجة مصر إلى القمح، ودون أن يخطر مصر بهذه الهدية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٣) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٤-٠٤-٢٠١٦)