عايض القحطاني

عايض القحطاني

«صحون ما عليها أحد.. قوموا يالربع». عبارة تبعث فينا الفرح، والسعادة للوهلة الأولى، فالخير وفير، لكنه في حقيقته إسراف، فالمعروض أكثر من الحاجة، نتفاخر بعدده، وشكله، وما عليه من النعم، صحون ليس حولها أحد، وأخرى تتحرك على «كفر» لضخامة حجمها، فهل أصبح الأكل هو الغاية؟! وهل هذا من شكر الله على نعمته؟!
يشتكي أحد الأصدقاء من أنه جاء من أقصى المدينة رجل يسعى، يريد مستشفى مدينتنا، قد أهلكته الأمراض، فكانت فاتورة الإعاشة خلال إقامته عند الأقارب والأصدقاء بضعة أيام قرابة الـ 30 ألف ريال، وآخر يضع 3 ذبائح على صحن واحد متباهياً حتى انتهى به الحال لا يجد قيمة فاتورة الكهرباء، وآخر يشتكي من سوء الحال لدرجة أنه «تسلَّف» مبلغ الوليمة. أما عند النساء، حيث الاستعراض والبهرجة، فإن الأزواج في شكوى دائمة من «اجتماع نسائهم» في المدينة على «بوفيه»، يكلف ما يقارب 8 آلاف ريال، وأخريات على قهوة فقط بـ 1500 ريال، فضلاً عما تقوم به ربة البيت من ترتيبات قبلها بيومين، مع العلم أن الغاية أحياناً ليست إكرام الضيف، وإنما التصوير رغبةً في التنافس، والتحدي «ما أحد أحسن من أحد». نشتكي من تلك العادات، والمجاملات، التي ورثنا بعضها حيث «وجدنا آباءنا عليها»، وبعضها الآخر اخترعناها، فأشقتنا أكثر مما أسعدتنا، والأهم من ذلك حرمتنا من رؤية أحبابنا، حيث يتوارى بعضهم عن القوم، ولا يأتينا حتى يأخذ علينا العهود ألا نقدم له سوى زاد البيت، وألا ندعو معه أحداً تفادياً لإحراج الآخرين له، خشية أن يتحول اللقاء إلى ارتباط لبضعة أيام.
تستمر شكوى الناس في مناسبات مختلفة، تارة في الخفاء من باب المجاملة، وأخرى في العلن دعوةً للتغير، متسائلين لماذا نضحك على بعضنا، ونجامل، ولا نعذر بعضنا، ونعيش كما نحن دون تمثيل؟ هل تلك المظاهر هي تعبير عن الحب والكرم، أم هي المجاملة والخوف من النقد والملامة؟ وهل الحب والكرم والتقدير، تُختزل في حجم الوليمة، وطريقة تقديمها؟ لا مساومة على الكرم، فالعرب مفطورة عليه، والكل يتغنى به، لكن ما هو تعبير الكرم الذي لا يتبعه ضرر، ولا ضرار، لا يكسر قلب فقير، ولا تنقبض منه نفوس العقلاء؟! لماذا هذا التناقض، فلا أحد يمتلك الشجاعة والجرأة حتى يبادر، ويعلِّق الجرس؟! تنتشر صورة لرئيس، أو رجل آخر معروف للجميع على وليمة في منتهى البساطة، فيتناقلها الناس معجبين، داعين إلى الاقتداء به، بينما صورة أخرى فيها من الإسراف ما فيها تجعل الناس يخشون على صاحبها من العقوبة.
هناك مَنْ كسر الروتين، وخطى نحو التغيير، ففي اجتماع دوري لأسرة في مدينة الخبر، قررت تلك الأسرة أن تتبرع بقيمة الوليمة إلى جمعية خيرية، واستبدالها بعشاء بسيط محبب لدى أفرادها، فماذا خسروا؟! وآخرون ملوا من الولائم طوال الأسبوع، فاستأجر أحدهم بنفس القيمة استراحة في اليوم التالي، فكانت الفرحة مضاعفة للجميع، وما خسروا غير «صحون ما عليها أحد ولم يأكل ما فيها أحد»، وآخرون يتم تكليف بعضهم بما يتيسَّر من الطعام حتى لا يزيد ويرمى، في حين استبدل بعضهم الشكل التقليدي للذبيحة بطريقة اقتصادية، تستوعب أكثر عدد، و»هي هي» ذبيحة لم تنقص، وآخر يقوم بالتنسيق مع جمعية خيرية قبل الوليمة، فالأكل سيزيد.
يحدثنا رجل سوداني مشفقاً، فيقول: كنا في بلدنا نطبخ الذبيحة كاملة في داخلها حمام، وفي داخل الحمام بيض، ونحن بضعة أشخاص، وها أنا هنا اليوم أبحث عن لقمة العيش.
في زمن مضى، طلبت من والدي، رحمه الله، أن نزور فلاناً، فقال: فلان كريم، قليل المال، كثير العيال، مديون، راتبه لا يكفيه، وسيخرج من الباب الآخر حتى يشتري ما يضيفنا به، فلا داعي لإحراجه.
أخيراً نردد ما قاله أحد كبار السن لأولاده: قد حدثناكم عن جوع مر بنا، وإنني لأخشى أن تحدثوا أبناءكم عن نعمة مرَّت بكم.
اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٤) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٥-٠٤-٢٠١٦)