فهد عبدالله الغانم

فهد عبدالله الغانم

أدلى ولي ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، بـ «حديث طويل»، استغرق ما يقارب خمس ساعات متواصلة لوكالة «بلومبيرج» الاقتصادية، تحدث فيها سموه عن ملامح اقتصادية في العشرين سنة المقبلة، حيث سيتم فيها بالتدريج التقليل من الاعتماد على النفط بوصفه مصدراً وحيداً للدخل.
وحين يكون المتحدث بمكانة سمو ولي ولي العهد، لابد أن يتجه اهتمام وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية إلى سبر أغوار حديثه المهم جداً، خصوصاً أنه يتعلق بعصب الحياة أي الطاقة، ومستقبل الاقتصاد السعودي، والتحول الوطني. لقد تميَّز هذا الحديث بأنه كان مع متحدث لبق مدرك واقعَ عصره، أجرته وكالة إخبارية متميزة تهتم أشد اهتمام بـ «مصداقية الأخبار وصحتها، وحتى دقتها»، فوكالة «بلومبيرج» الأمريكية كان لها موقف من تخفيض وكالة «ستاندرد آند بورز» خلال الفترة الماضية التصنيف الائتماني للمملكة بمعدل نقطتين، حيث قلَّلت «بلومبيرج» عبر نشراتها الاقتصادية من قيمة هذا التخفيض، مؤكدة أنه لن يكون له أي تأثير على الاقتصاد لثلاثة أسباب رئيسية، هي: الاحتياطي النقدي الكبير، الذي تتمتع به المملكة، ووجود خيارات متعددة أمامها لمواجهة العجز المالي، ومحدودية الدين العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، الذي يتجاوز 2.5 تريليون ريال. واستغربت النشرة من عدم تطرق الوكالة إلى جهود السعودية لدعم استقرار السوق النفطية، لاسيما أنها عزت تخفيض التصنيف إلى أسعار النفط. حديث سموه، الذي كشف فيه عن خطط المملكة لحقبة «ما بعد النفط»، يعزز الحراك السائد حالياً في هذا العصر الميمون بقيادة خادم الحرمين الشريفين، أيده الله، ويتواءم مع ما تقتضيه المرحلتان الحالية والمقبلة، حيث كان سموه يشخِّص الحلول، ويرسم خارطة طريق اقتصادية طويلة المدى. كل شيء كان حاضراً في حديثه الشامل من تقلبات أسعار النفط، إلى تجميد إنتاجه، و»أرامكو»، والتخصيص، والمال والاقتصاد، علاوة على الشمولية والشفافية التامة في وقت تتطلع فيه المملكة إلى إنتاج طاقة نظيفة ومتجددة مستقبلاً.
كل هذا يبرز التوجه الجديد للمملكة على يد هذا الأمير الشاب، فتعدد الخيارات المتاحة في الوقت الحالي رغم ما تعانيه المنطقة، خصوصاً من ظروف جيوسياسية، دفعت سموه إلى طرح واقع ملموس لما سوف يتم التعامل فيه مع الخطط المستقبلية المطروح تنفيذها وبقوة.
إن أنظار سمو ولي ولي العهد الثاقبة تتجه إلى رحلة اقتصادية ماراثونية، وملامح جادة لتحقيق ذلك، ومسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، ويا لها من خطوة، فقيمة الصندوق السيادي، الذي أعلن عنه، هائلة وتقدَّر بـ «تريليوني دولار» أي ما يعادل (7.5 تريليون ريال) ما سيجعل مصدر الدخل الوطني السعودي يكون عبر تنمية مثل هذه الاستثمارات الضخمة دون النظر إلى عوائد النفط، والخطوة الأولى سوف تتم عبر طرح 5% من أسهم شركة أرامكو السعودية، التي تعد الأكبر في العالم من حيث القيمة السوقية للتداول، للتداول في عام 2018م أو قبله بعام، وتحويل الشركة إلى تكتل صناعي. إن التنبوءات الحاضرة أمامنا تشير إلى أن سمو ولي ولي العهد يملك القدرة الصادقة، بعد التوكل على الله، على إدارة مستقبل المملكة الاقتصادي، والسير بالوطن إلى واقع أكثر إشراقاً، فالتوترات السياسية، وركود أسعار النفط، وطفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة، تبرز حاجة المملكة العربية السعودية، أكبر مصدِّر للنفط في العالم، إلى القيام بمزيد من عمليات التنمية لتوفير الرفاهية للشعب السعودي، وهذا لن يتأتَّى إلا بعزيمة وإخلاص هؤلاء الرجال، الذين سخَّروا أنفسهم وطاقاتهم، و»عُصارة جهدهم» للوصول إلى ما يتطلع إليه الوطن والمواطن. أخيراً: إن مساعي رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية، وخطواته المباركة، تدفع بعدة اتجاهات استراتيجية، تصب في صالح الاقتصاد والتنمية، فالاستعداد المبكر للمرحلة المقبلة، والعمل على زيادة كفاءة الإنفاق، سيقلِّلان من نفقات الميزانية العامة، وينوِّعان الاستثمارات، وخطة التحول الوطني، ما سيُبقي المملكة، بإذن الله، بعيدة كل البعد عن أي أزمات اقتصادية، أو توترات سياسية، أو أي تقلبات أخرى طارئة، وسموه الكريم، قبل كل ما ذكرت، أخذ بالأسباب، وتوكَّل على الله، ومَنْ يتوكَّل على الله فهو حسبه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٦-٠٤-٢٠١٦)