سمر آل موسى – إعلامية وكاتبة

تحدثت في مقالي السابق تحت نفس العنوان عن أثر التمادي في طرح الأسباب للآخرين دون أي مبرر سوى خشية تبرم بعضهم، ما أدى إلى اعتياد كثيرين على التطفل على حياتنا الشخصية، والتجرؤ على التدخل فيها أحياناً، وجدير بي أن أوضح بعضَ مفاهيم لم يتسنَّ لي توضيحها في المقال السابق، فكنت قد طرحت مثالاً عن الطلاب الغربيين لا لأمجد في تقاليد الغرب، أو أن أحُطَّ من تقاليد الشرق، وليس ذلك مرادي، ولا موضع نقاشي، ولكن المقصد، أنها دول في أصلها لا تدين بدين الإسلام، الذي جاء ديناً كاملاً تاماً في كل نواحي الحياة، كما وصفه تعالى في قوله: «اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا»، ونحن نعيش في الإسلام ليل نهار، ولكن، هل يعيش الإسلام فينا بصورته الحقيقية؟ هل يتخلل تصرفاتنا، وينعكس في شخصياتنا، وتعاملاتنا وأخلاقنا؟ وهذا سؤالٌ للتفكُّر والمراجعة الذاتية، وليس للإجابة الحالية.
فذكرت أن الإسلام ضَمِنَ لنا حقنا الشخصي، ومساحتنا الخاصة، وتحكمنا فيها بحسب ظروفنا، وعلى سبيل المثال لا الحصر في تلك الآداب، أمرَ بالاستئذان، ولا يزيد أيضاً في الغالب عن ثلاث مرات، وكذلك الآية الكريمة: «وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ»، وكفى بنا أن نسمع الحديث النبوي: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، والآية الكريمة:»وَلا تَجَسَّسُوا»، وهذا ما «يطبق علينا أنفاسنا» كثيراً حين نواجه بعض هؤلاء، الذين يفرضون أنفسهم على حياتنا، والتدخل في شؤوننا، وتتبع أخبارنا وعوراتنا، حتى يجدوا في المجالس بعد ذلك ما يُسلي جمعتهم، ويملأ فراغهم، ويسد شهوتهم في الحديث، وإن كنتَ من هؤلاء المستعينين على قضاء حوائجهم بالكتمان، فأنت قد أشعلت نيران نفوسهم، وطرت بعقولهم جنوناً وغيظاً كما يفعل الطير المذبوح.
وحدث معي شخصياً كثيرٌ من تلك المواقف، وأحدها منذ قريب، اتصلت إحداهن لا يجمعني بها سوى عمل، وشَرَعَتْ في تحقيق لم أجد له آخِراً سوى أنني استأذنت لانشغالي لما وجدته من رغبة في الاطلاع على حياتي وحياة أفراد أسرتي جميعهم كالكتاب المفتوح.
وكل هذا بالطبع لا يتنافى مع إخبار المستحقين بالإخبار، لأسبابٍ ذكرتها سابقاً، حيث من بعض دواعي التسبيب، إن شعرت أنك سوف يُساء فهم تصرفك فمن الأفضل أن تذكر شيئاً مقدراً من أمرك، ولنا في فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام درس جميل، حينما كان مع السيدة صفية، رضي الله عنها، في القصة المعروفة، ومر بهما رجلان من الأنصار، فقال لهما موضحاً: «إنها صفية» خشية أن يقع في قلبيهما شيء، وكذلك عدم التسبيب لا يتعارض البتة مع حُسن الخُلُق وطيب المعاملة، والتواصل الدائم مع بعضنا بعضاً، والاطمئنان على أحوال بعضنا بعضاً، فلنجعل قاعدتنا في ذلك، ألا نسأل عن شيءٍ ما لم نُخبر عنه من الشخص نفسه، وكما نحب أن يعاملنا الناس، فلنعاملهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٦-٠٤-٢٠١٦)