الأطباء في أي دولة، هم ثروةٌ وطنية لا تقدر بثمن، فطبيعة عملهم إنسانية بالدرجة الأولى، وترتبط بهم حياة الناس، وسلامتهم، وبقاؤهم، أو فناؤهم، والطبيب السعودي، بعد سنوات دراسية مضنية، يتخرَّج، ويبدأ مشوار الزمالات والتخصص؛ سهر، وتعب، وعناء حتى يصل إلى درجة الاستشارية، عندها يشعر بالراحة بعد مضي زهرة شبابه في بناء ذاته قويّاً علميّاً، خاصة أهل التخصصات الدقيقة والنادرة، يبدأ الطبيب بعدها مرحلة العطاء، وتقديم الخبرة.
ومع بروز قدرات الطبيب المبدع، وظهور جوانب التميز والقوة عنده؛ تبدأ العروض المغرية تنهال عليه سواء من القطاع الطبي الخاص، أو من خارج البلاد، فيُصاب عندها بالحيرة، و»التساؤل»: هل يضحي بالجهة «الحكومية» التي ابتعثته، وتكفلت بالصرف عليه سنوات طويلة حتى يرجع إلى البلاد حاملاً شهادته، أم ينساق وراء مغريات العروض المغرية مالياً حتى لو كان العمل فيها مرهقاً وشاقاً؟! هنا يلجأ كثير من الأطباء إلى خيار المصلحة «الشخصية» في ظل الأنظمة البيروقراطية في القطاع الحكومي، وعدم تقدير الطبيب السعودي، وكذلك عدم مقارنته بغيره من الأطباء غير السعوديين ممن هم أقل منه مستوى علمياً وخبرة، لكن المشكلة الكبرى التي لاتزال آخذة في البروز على السطح، هي «العروض الخارجية» للطبيب السعودي، فكثير من الجهات الطبية الخليجية والعالمية تعمل على استقطاب تلك الخبرات الوطنية، وتقدم لهم الحوافز والإمكانات والتسهيلات الكبيرة، التي لا يحلم بها الطبيب السعودي في بلاده.
والأمثلة كثيرة منها؛ طبيب سعودي متخصص في جراحة القلب، عرضت عليه إحدى الدول الخليجية راتباً شهرياً «خُرافياً» لا يَحلُم به؛ وأمام هول الصدمة لم يجد نفسه إلا هناك، وطبيب سعودي آخر متخصص في العلاج النفسي، أثناء تحضيره لـ «الزمالة» في أحد البلدان الغربية، استطاع وبكل سهولة، وبدعم من حكومة ذاك البلد، فتح مركز طبي بشكل رسمي مع مجموعة من زملائه الأطباء من جنسيات متعددة، وطبيب آخر قرر الاستقرار في ماليزيا بين العمل في مركز طبي وبحثي كبير، وبين التدريس في الجامعة، هؤلاء نماذج لخبرات وطنية مهاجرة، يستفيد منها الآخرون أكثر مما نستفيد منها نحن، فهل يُلام الطبيب على اختياره الهجرة وترك البلاد؟ وأين الجهات الطبية المحلية التي تتبنى تلك العقول، وتستفيد منها بدلاً من صرف الأموال على استقطاب خبرات أجنبية؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٥) صفحة (٧) بتاريخ (٠٦-٠٤-٢٠١٦)