تظل مصر هي أم الدنيا في نظر أبنائها ومن يحبها ومن يأتي إليها كل فترة، منذ زمن ونحن نزور مصر ثم نعود إليها بسبب أو بدون سبب، لأنها بلد العجائب تتنوع فيها الفنون والأمسيات والأسواق القديمة والحديثة، وفيها إحدى عجائب الدنيا السبع ألا وهي «الأهرامات»، التي بنيت منذ عهد الفراعنة، ناهيك عن المتاحف الجميلة، وكذلك المباني الأثرية التي تحاكي عبق التاريخ الجميل، فهناك الجامع الأزهر الذي يشع علماً وثقافة وفكراً، ومازال حتى تاريخنا هذا يقوم بدور كبير في نشر الدين والعلم، وهناك قلعة صلاح الدين الأيوبي في «المقطم» التي استغرق بناؤها 8 سنوات، وقد استخدم صلاح الدين الأيوبي «العلوج» وهم الأسرى الصليبيون الذين أسرهم وجاء بهم إلى القاهرة، فاستفاد منهم في نقل الأحجار من الجبال إلى المقطم، إلا أنه مع الأسف غادر مصر سنة 579هـ ولم يعد لها بسبب انشغاله بالحرب مع الصليبيين ولم يسكن تلك القلعة، وقد حبا الله مصر نهر النيل العظيم الذي قامت عليه أمم وحضارات كثيرة.
علاقة المملكة بمصر علاقة متجذرة منذ عشرات السنين، ولمصر تاريخياً المسؤولية المباشرة عن الحرمين الشريفين بدءاً من الدولة العبيدية في منتصف القرن الرابع الهجري، ومن أتى بعدها من الأيوبيين والمماليك آنذاك، فكانت كسوة الكعبة الشريفة تأتي من القاهرة حتى حصل الخلاف غير المتوقع من بعض جنود الملك عبدالعزيز ـ طيب الله ثراه ـ واشتباكهم مع المحمل المصري القادم من القاهرة في مكة سنة 1344هـ، وكان لتدخل الملك فيصل ومن ثم الملك عبدالعزيز مباشرة في إنهاء الحادث العرضي دور كبير في إنهاء الأزمة، ومن ثم أوقفت القاهرة إرسال الكسوة إلى الكعبة، مما اضطر الملك عبدالعزيز أن يعجل بإنشاء مصنع خاص للكسوة في مكة.
عادة ،العلاقات الدبلوماسية لابد أن يشوبها بعض الفتور وبعض الضبابية التي سرعان ما تزول، وهذا ما حدث بالفعل في عهد المؤسس ـ طيب الله ثراه ـ فقد زالت تلك الغيمة وعادت العلاقات بين البلدين أقوى وأفضل مما كانت عليه بعد تولي الملك فاروق الحكم بعد وفاة أبيه الملك فؤاد سنة 1357هـ الموافق 1938م، ودعا الملك عبدالعزيز الملك فاروق لزيارة المملكة وكان ذلك في 16/ صفر/ 1364هـ الموافق 24/ يناير/ 1964م، وتقابل الزعيمان عند جبل رضوى المطل على محافظة ينبع، وسميت تلك الزيارة بـ«قمة رضوى»، وتحددت معالم العلاقة بين المملكة ومصر والإسراع في تأسيس جامعة الدول العربية، وطلب الملك فاروق من الملك عبدالعزيز زيارته لمصر، فكان ذلك في السنة التي تليها، وتعد هذه الزيارة تاريخية بين البلدين لما يشكلانه من قوة وثقل سياسي واقتصادي، وكانت الحفاوة كبيرة جداً عند استقبال الملك عبدالعزيز ومن معه من أبنائه ومستشاريه ووزرائه، وتوطدت العلاقة بين البلدين أكثر وأكثر، ولعبت مصر دوراً كبيراً في حرب 1973م ضد العدو الصهيوني، وما لبثت أن فترت العلاقة بين أغلب الدول العربية ومصر، بسبب توقيع الرئيس المصري آنذاك «أنور السادات» معاهدة كامب ديفيد بينه وبين إسرائيل، بواسطة الرئيس الأمريكي السابق «كارتر» سنة 1979م، حيث كانت ردة الفعل قوية من الدول العربية، وبرغم انقطاع العلاقة السياسية إلا أن شعبي البلدين كانت لهما علاقة ود خاصة، فالزيارات استمرت من الجانبين ولم تنقطع، حتى أنها لم تؤثر على نفسياتهم ولم تحدث أي حادثة عنف ضد أحد برغم انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهذا يدل على التقارب والمحبة بين أبناء البلدين.
وفي هذه الأيام التي نحن بحاجة فيها إلى التكاتف والتعاضد أكثر من التباعد والتناحر، ازدادت العلاقة بين المملكة ومصر برغم المتغيرات والاختلافات، إلا أنها تبقى علاقة راسخة ومتينة بيننا، وقد اختار الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ تاريخاً ووقتاً مهماً لزيارته لمصر، الذي أزال كل العقبات والضبابية التي يتحدث عنها بعضهم، محاولين تفتيت العلاقة بأي وسيلة كانت، إلا أنهم عجزوا بسبب متانة وقوة تلك العلاقة التي لا لن تتغير بمشيئة الله مهما كانت الظروف.
تمثل علاقة مصر والمملكة الثقل الكبير بين الدول الإسلامية والعربية لما لمصر من ثقل اقتصادي وبُعد جغرافي مهم، أضف إلى ذلك القوة العسكرية التي تتمتع بها مصر منذ عشرات السنوات، فهي شريك استراتيجي كبير ومهم مع المملكة، ومصر والمملكة لا تتأخران عن تقديم المساعدات اللازمة التي يحتاجها كل بلد، ولذلك فإن الزيارة الملكية لمصر سوف تقرب المسافات بيننا كثيراً، وتخرس أصحاب الأقلام والأصوات الزائفة التي تبحث عن الإثارة والبلبلة فقط.
ختاماً، تعميق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين أمر في غاية الأهمية خاصة في مثل هذه الأيام، التي تمر بظروف سياسية معقدة وظروف اقتصادية متذبذبة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٧-٠٤-٢٠١٦)