هذه العملية في حاجة إلى مثابرة كبيرة وجهود مضنية لكي تتمكن الأطراف جميعها من الوصول إلى خلاصات مفادها أن منطقتنا ودول مجلس التعاون على وجه الخصوص تستحق السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي والرفاه الاقتصادي

تشهد المنطقة العربية تطورات متسارعة في ساحات الاقتتال والاحترابات الداخلية، خصوصاً بعد أن توصل وزيرا خارجية الولايات المتحدة وروسيا إلى تفاهمات حول جملة من الخلافات بين الطرفين سواء في أوكرانيا، أو على مستوى نزاعات المنطقة العربية، كما هو الحال في سوريا، واليمن، والعراق، وليبيا، التي بدأت أزمتها «تتحلحل» بتشكيل ووصول حكومة الوفاق بحراً إلى ميناء في العاصمة الليبية طرابلس، والبدء في نشاطها بتأييد دولي، انعكس إيجاباً على مواقف الجهات المحلية، خصوصاً المصرف المركزي، الذي تحتاجه الحكومة لضخ السلع في الأسواق، وشركة النفط المسؤولة عن أهم ثروة في ليبيا، ما ينبئ بأن الأطراف السياسية والمجتمع الدولي قد توصلوا إلى قناعة بضرورة تحريك زوايا الأزمة المستحكمة هناك، حيث استخدمت عواصم القرار سياسة العصا والجزرة، وأعلنت أنها بمعية الأمم المتحدة سوف تفرض عقوبات على الأطراف التي ترفض الحكومة الجديدة. قد تكون ليبيا البعيدة عن المشرق مهيأة الآن لأن تكون نموذجاً للتسويات بين فرقاء الصراع والاحتراب، نظراً لما آلت إليه الأوضاع في المغرب العربي من ظهور خلايا يقظة ونائمة لتنظيم داعش في عديد من تلك العواصم، وتسرب بعضها إلى بر الاتحاد الأوروبي، وتهديد الأمن في دوله.
وفي اليمن، فإن الإعلان عن موافقة الحوثيين على تبادل الأسرى، والشروع في الخطوات العملية، أعطى مؤشرات إيجابية على أن أطراف النزاع هناك يمكن أن تخطو خطوات نحو التفاوض والحوار وصولاً إلى التسوية. الحوار الذي أعلن ولي ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، قبل أيام أنه يجري في الرياض مع الحوثيين، يمكن له أن يحرك بعضاً من المياه الساكنة في الأزمة اليمنية، خصوصاً بعد أن أعلن وزير الخارجية السعودي السيد عادل الجبير، أن المحادثات في الرياض «حققت تقدماً، ومازالت مستمرة على أمل تحقيق مزيد من التقدم». وفق ما نقلت وكالات الأنباء والصحافة عن الجبير يوم الثلاثاء الماضي. في هذا الوقت يجري التحضير لجولة من الحوار بين الأطراف اليمنية المتصارعة، وذلك في الكويت منتصف شهر إبريل/ نيسان الجاري.
أما في العراق، فقد شهد الاحتقان السياسي والطائفي بين القوى الفاعلة انفراجاً مع إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي عن تشكيلة وزارية جديدة، تضم نخبة من المتخصصين «التكنوقراط» من خارج الأحزاب السياسية، ما أسهم في تحريك زوايا الأزمة الحكومية، بينما لاتزال المعارك دائرة ضد تنظيم داعش الذي يسيطر على أجزاء واسعة من العراق منذ منتصف العام 2014 عندما احتل الموصل، وأعلن منها «دولة الخلافة»، ولاتزال سياراته المفخخة تضرب في عديد من المناطق العراقية.
وعلى المسار السوري، وحيث الأزمة الأكثر دموية، والأكثر كارثية، فإن التفاهم الروسي الأمريكي على عقد جولة المفاوضات في مارس/ آذار الماضي، ومن ثم في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري، يعطي مؤشراً على جدية الراعيين، واشنطن وموسكو، في عملية التدوير التي تشهدها أزمات المنطقة، والوصول إلى تقاطعات، سعى المبعوث الأممي إلى سوريا السيد ديمستورا، إلى تحقيق اختراقات جدية فيها، فلخَّص، وفحص أوراق المتفاوضين التي قدموها في جولة مارس، وعقد النية على تقديمها في صيغة بنود لجولة إبريل الجاري.
ولكن، وقبل كل ذلك جرت عملية جس نبض بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، التي أرسل رئيسها حسن روحاني، مبعوثاً شخصياً لسمو أمير الكويت محمَّلاً برغبة إيران في ترطيب العلاقات مع الضفة الأخرى من الخليج العربي، فكان الجواب تصريحات علنية لمسؤولين خليجيين، تطالب طهران بإقران أقوالها بالأفعال. ولعل استعدادات الأطراف اليمنية للدخول في جولة جديدة من الحوار والتفاوض، هو جزء من ترجمة الحدث الجديد، الذي فطنته العواصم الخليجية، فتمت ترجمة الرغبات إلى شروع في السير في طريق الألف ميل، الذي يبدأ بخطوة الاستعداد للحوار، وتعبيد الطريق للبدء فيه. وقد تكون إعادة إنتاج تصريحات وزير الخارجية السوري إزاء الخطوط الحمراء، التي تحدث عنها، جزءاً من عملية التدوير، والبحث عن مخارج للأزمة السورية، حيث ألحقها بشار الأسد، بحوارات صحافية، أعلن فيها عن استعداده لانتخابات رئاسية مباشرة، تتم من خلال الشعب السوري، وليس البرلمان «مجلس الشعب» كما جرت العادة، وهو ما فُهم أنه تراجع عن تصريحات وزير خارجيته المعلم.
ما يجري في المنطقة من تدوير لزوايا الأزمات، يتزامن مع وصول وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، يوم الأربعاء الماضي إلى العاصمة البحرينية المنامة، حيث التقى فيها بالمسؤولين البحرينيين، ومسؤولي دول مجلس التعاون الخليجي، كما أنه جاء ليحضِّر لقمة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع قادة دول المجلس في شهر مايو/ أيار المقبل في القمة التشاورية للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون المزمع عقدها في العاصمة السعودية الرياض. هذه العملية في حاجة إلى مثابرة كبيرة، وجهود مضنية لكي تتمكن الأطراف جميعها من الوصول إلى خلاصات مفادها، أن منطقتنا، ودول مجلس التعاون على وجه الخصوص، تستحق السلم الأهلي، والاستقرار الاجتماعي، والرفاه الاقتصادي، الذي بدأ يتراجع في السنوات الأخيرة، ما يفرض مبادرة بحجم التحدي والمتطلبات، تُبعد منطقة الخليج العربي عن ويلات التداعيات التي تجري في الإقليم.
ربما ما كُتب هنا يشكل دافعاً لتحويل منطقة الخليج وبلدانه إلى بحيرة سلام، ينعم فيها أبناؤها بالطمأنينة، وتشرع فيها مشاريع كبرى للتنمية المستدامة بعد حروب كثيرة عصفت بالمنطقة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٨) صفحة (١١) بتاريخ (٠٩-٠٤-٢٠١٦)