مالك أحمد الشمراني

يحب الإنسان معرفة مستقبله، ويحب معرفة سماته الشخصية، ويحب أن يعرف كثيراً من مفارقاته الذاتية، وبعضهم يتعمق حتى يصل إلى أبواب مغلقة، وبعضهم الآخر يريد فقط الوصول إلى هدف معين كالنساء، مثلاً تحب الزوجة أن تعرف دقائق وتفاصيل عن زوجها، وتحب أن تعرف كثيراً عن جمالها، وتحب أن تعرف مواصفات صديقاتها، وهذا من دواعي غبطتهن.
الإنسان بطبعه فضولي لمعرفة مستقبله، وشخصيته، ويبحث عن تفاصيل غيبية حتى يستشرف مستقبله الواعد، وفي هذا لنا مثل مع الصحابة الكرام حينما كانوا يسألون نبينا الكريم عن الساعة؟
حيث إن نبينا وقتذاك لا يعلم الغيب إلا بنزول الوحي عليه، وكانت الإجابة من الله -عز وجل- حين أوحى إليه (قل إنما علمها عند الله).
ومن هوس الإنسان في معرفة المستقبل، ومعرفة سماته الشخصية انغماسه في الأبراج، وذهابه لقارئ الكف، والمنجمين، والكهان، والعرافين، وهؤلاء كلهم بشر لا ينفعون إلا بأمر الله، ولا يضرون إلا بأمر الله.
ولم يترك في ذلك سبيلاً حتى طرق أبواب علم النفس يبحث في أمور النفس من خلال النظريات والتجارب؛ حيث باتت بين أيدينا اختبارات تحديد الشخصية تدعو لمعرفة سمات الشخصية، وتحديد نوعك في الحياة وما تميل إليه من الشخصيات التي أنت منهم، وكلها لا تبعد عن سابقتها في نظري من حيث التأثير النفسي، وليس هنالك اختبار حقيقي يثبت أن فلاناً من البشر سيكون مستقبله كذا، أو فيه سمات من الشخصية ما تجعله أن يكون كذلك دائمًا… لماذا؟
لأن طبيعة الإنسان متغيرة، والدليل على ذلك هل أنت الآن هو الشخص نفسه قبل خمس سنوات؟ هل أنت الشخص الذي كان قبل الزواج؟ لذلك تجد الزوجات يرين أن أزواجهن متغيرون وبعضهن تقول (أنت متغير ليس أنت الشخص الذي كنت أعرفه قبل الزواج). وقد يكون التغير من الزوجة نفسها لكن الإنسان لا يدرك هذه التغيرات ويظن نفسه أنه لم يتغير!! وإن تَغيَّرَ فإنه لم يتغير كثيرًا.
فالتغير طبيعي في الإنسان. انظر إلى ألبوم صورك ستجد أشخاصاً مختلفين باسمك، انظر لكتاباتك السابقة ستجد أفكار كتّاب وكِتابات مختلفة باسمك، انظر لأصحابك ستجد منهم من رحل عن الدنيا، ومنهم من رحّلته الحياة عنك، اسمك ثابت والكل متغير.
لذلك ما يزعم به المتخصصون النفسيون من اختبارات نفسية تحليلية، أو المشعوذون، إنما هو لعب على رموز من الشخصية كالوزن، والطول، والأكل، والشرب، وبعضهم يأخذ من المعطيات التي أمامه ليعرف بها إذا كنت نحيلاً جداً وأن لديك مشكلات في المعدة، أو القولون العصبي، وإن لم يكن هذا السبب فإنك تمر بموجة نفسية، وسوف ينطلق من هنا.
أما الاختبارات النفسية فهي ليست دقيقة 100 % فتصيب بعض الأحيان أنماط الشخصية وليس كلها، ألا ترى أن بصمة الإنسان وعدسة العين ليس لها مثيل، فأنت الشخص الوحيد في العالم الذي تمتلك بصمة وعدسة لا يمتلكها غيرك، وكذلك شخصيتك ليس هناك شخص آخر بنفس شخصيتك قد تتشابه لكن لا تتطابق. وقد تتوافق في تخصص دراسي أو في طريقة المذاكرة والتدريس، وتختلف في الفهم والمفهوم وأسلوبهما.
الإنسان قوة كامنة مستحيل تصورها، لكن الإنسان أضعف نفسه كثيرًا، حين ولّى نفسه تلك الأبراج، وخرافات قارئ الكف، وتحجيم علم النفس بنفس الإنسان، واتباع تحليل الشخصية، حتى أصبح الإنسان في سجون علماء النفس، وأصبح يرى أن قدراته محدودة في تلك الشخصية، أو أنه ليس لديه إلا ما شخّصته تلك المقاييس النفسية، والاختبارات المزعومة.
ألم ترَ كيف حَجّم الإنسان قوة الفيل؟ قالوا له أنت فيل السيرك، فقيدوا رجِله بسلاسل منذ كان صغيراً حتى تعوّد القيود، وترسخ في نفسه أنه خُلق لمجرد العرض وإعجاب البشر، ولو عرف القوة التي يمتلكها، لم يدع أحدًا من البشر يقوده بحبال خفيفة أمام الناس ظنًا منه أنها هي تلك السلاسل التي كان مقيداً بها منذ صغره، ألم ترَ كيف استفاد أصحاب الفيل من قوة الفيل حين أتوا به من اليمن كي يهدم الكعبة وكان قادرًا على ذلك، لولا حماية الله. هل تعلم لماذا؟
لأن أصحاب الفيل احترموا تلك القوة التي يمتلكها، فأخذوه سلاحاً لهم، لا أداة يستعرض ويستهان بها أمام البشر، وحال الفيل هو نفسه حال الإنسان اليوم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٩-٠٤-٢٠١٦)