أفنان أبا الخيل

يبدو أن هذا السؤال هو السؤال الأكثر تداولاً عندما يكون الحديث حول نظرية التطور.
لا أدري لماذا تسبب انزعاجاً شديداً لبعضهم، ويكون لديهم نوعٌ من الحساسية ضد القرود مثلاً؟، أو ربما لو كان القرد حيواناً جميلاً ويضرب به المثل لتقبلوا الأمر أو كانوا أقل انزعاجاً على الأقل.
منذ وقت ليس ببعيد دار حوار بيني وبين أحد أقاربي حول النظرية حيث كان معارضاً متعصباً، بناءً على مفهومه للنظرية الذي يقول «إن أصل الإنسان كان قرداً ومن ثم تطوَّر عبر ملايين السنين ليكون إنساناً عاقلاً».
ورغم أن هذا المفهوم هو خلفية غالبية من ناقشتهم حول النظرية إلا أنه وبكل أسف مفهوم مغلوط غير صحيح.
سأضع هُنا المفهوم أو الإطار العام للنظرية، وهو باختصار كالآتي:
«البشر، القرود، والحمير، هم فقط أنسباء متباعدون من الناحية البيولوجية. والبشر لم يتطوّروا من القرود بل من جدّ مشترك يطلق عليه اسم (القردة العظمى) لكنه لم يكن لا (قرداً) ولا (بشراً) بالمعنى العلمي للكلمة، وعاش منذ ملايين السنين في الماضي.
وفي الواقع، خلال السبعة ملايين سنة الماضية تطوّرت عديد من الفصائل الأخرى التي تشبه البشر؛ بعض الأمثلة تشمل هومو آبليس homo habilis (الإنسان الماهر)، هومو آيريكتوس homo erectus (الإنسان المنتصب)، وهومو نياندرثاليسنسيس (إنسان النيادرتال).
كل هذه الفصائل انقرضت خلال فترات مختلفة وبقيت فصيلتنا نحن فقط المعروفة علميّاً باسم homo Sapins (الإنسان العاقل) لتشارك الكوكب مع بقيّة المخلوقات».
أما جواب سؤال: لماذا انقرضت؟ فذلك يعود للانتخاب الطبيعي الذي هو إحدى الركائز الثلاث (التنوع – التوارث – الانتخاب الطبيعي) لكيفية عمل النظرية، حيث البقاء للأكثر «تأقلماً» مع الطبيعة وليس «للأقوى» كما يُعتقد أيضاً.
حسناً، هذا ما يسعني ذكره هنا حول النظرية ولست أدَّعي أنني أفهم النظرية بالشكل الصحيح تماماً، وأقبل بها أو حتى أرفضها، كما أنني لست من أهل الاختصاص، وأعرف أنني أجهل أكثر مما أعلم. فالله عزوجل له في خلقه شؤون، وما أوتينا من العلم إلا قليلاً.
إلا أن ما دفعني للحديث هنا هم أولئك المعارضون الذين يحاولون ربط اعتراضاتهم وآرائهم الشخصية بالقرآن والدين، ليصبح بذلك من يعارضهم كأنما يعارض القرآن والدين وليس رأي أشخاص قد لا يملكون أدنى معلومة حول ما يعتقدونه!!
كان بإمكان المعارضين الأعزاء – وهو من حقهم- أن يعارضوا أي نظرية أو استنتاج علمي على أن يفندوا اعتراضاتهم بآراء علمية لا دينية وآيات قرآنية.
ففضلاً عن المغالطة والجهل في هذا الأسلوب، فإن فيه سوء أدب مع الله عزوجل وإساءة للدين.
فكيف يُعقل لامرئ يتأدب مع الله أن ينزل القرآن الكريم من علوّه ليضعه في وجه مقارنة مع نظريات واستنتاجات بشرية قاصرة هي عرضةٌ للنقد والقبول والرفض والتعديل.
في الحقيقة لا أعلم إلى أين سيصل بنا الحال لو أننا استمررنا في ربط كل صغيرة وكبيرة في المجالات العلمية والاستنتاجات البشرية بالقرآن كلام الله تعالى، أو ماذا سيكون موقفنا لو أُثبتت عدم صحتها أو أجريت عليها التعديلات مثلاً؟، أو ماذا سيكون موقف الأجيال المقبلة من القرآن والدين؟.
هل سترفض العلم لأجل القرآن أم العكس أم إنها ستقوم بالتعديلات على كلام الله عزوجل ليتماشى مع آخر التطورات مثلاً؟.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
أتمنى أن يفكر هؤلاء في الأمر بجدية أكبر وأن ينظروا لما هو أبعد من أنوفهم، ولا يحاولوا إضافة القداسة الدينية لآرائهم لتحصينها من النقد والرفض، وليكفوا عن المحاجّة فيما ليس لهم به علم ممتثلين لأمر الله تعالى «وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إنَّ السَّمعَ والبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُّ أولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسؤُولًا».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٨٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٩-٠٤-٢٠١٦)