التحقيقات أو الصحافة الاستقصائية كما يُعرّفها الممارسون للعمل الصحفي، استطاعت خلال الأسبوع الماضي أن تعيد الهيبة لصاحبة الجلالة «الصحافة»، التي كانت لعقدين من الزمن ترزح تحت طائلة أرباب السياسة والمال.
ماذا حدث؟
«وثائق بنما» أكبر فضيحة فساد مالي عرفناها اليوم، ضخامة أرقام المال المنهوب، وحجم التهرب الضريبي، والتجمع المخيف لمشاهير السياسة والاقتصاد والفن والرياضة في دائرة الوحل.
ولكي نستوعب الموقف فيمكننا مقارنته بالقياس على الزلزال الذي أحدثته وثائق ويكيليكس، التي كان حجمها التقريبي ( 1.7 غيغابايت)، أما وثائق بنما فحجمها ( 2.6 تيرابايت) و الـ (غيغا = 1.000.000.000بايت) أما الـ (تيرا= 1.000.000.000.000بايت)، علماً أن ما نشر من وثائق بنما حتى الآن لا يتجاوز 150 وثيقة فقط، وأحدثت كل هذه الضجة، والأمور في تكشف متتال، والمهتم يمكنه أن يراجع ببساطة موقع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، لكي يفهم تماما معنى «إن سرقت فاسرق جملاً»!!
ليست الفكرة في كيف حدث هذا النهب والفساد المالي أو أين حدث أو كم طرفاً فيه، هذا النوع من التحقيقات الصحفية القوية التي تستطيع أن تسحب عنوة الكراسي من تحت أصحاب المعالي وتعتم الفلاشات البراقة التي تلمع على محيا المشاهير ليل نهار، هل كانت ستنشر في الإعلام أو الصحافة التقليدية؟
أي صحيفة أو قناة أو إذاعة كانت ستمتلك الجرأة على أن تفتح النار على الجميع؟
لا أحد يستطيع ذلك، بينما الإنترنت كأداة إعلامية كان مطواعاً، وقابلاً لأن يشكل تكتل قوامه 400 صحفي وأكثر من 100 وسيلة إعلامية من أكثر من 78 دولة حول العالم، هذا التكتل العملاق الذي يخفي ماهية الاتفاق الكائن بين أعضائه على آلية نشر وثائق الفضيحة، ملك القدرة على طرح المواضيع الساخنة دون أن يحترق بذاته!
جمان:
الإعلام الجديد يقدم لنا الوعي على طبق من ذهب، ويترك لنا خيار الفهم والتصرف، فماذا نحن فاعلون!!؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٩٠) صفحة (٥) بتاريخ (١١-٠٤-٢٠١٦)