كلما فكرت في رؤية بعض الناس وإمكانيتهم بيع وشراء ما لا يباع ويشترى من قيم هذه الحياة ومعانيها الجميلة والعفوية ومبادئها السامية، تذكرت مقطعا من فيلم «مرجان أحمد مرجان» لعملاق الكوميديا الفنان عادل إمام، الذي كان يشتري كل ما يريد شراءه بالمال، مستخدما سلطة ثرائه الفاحش في إيقاع الضحايا في فخ الطمع، لتلبية رغباته بعد جملته الشهيرة التي يكررها في مقاطع هذا الفيلم وعلى مسمع ضحاياه ممن يرغب في شراء ذممهم أو ولائهم له مقابل المال حينما يقول: تشرب شاي بالياسمين؟ ولعل هذه الحالة تنطبق على عديد من الأمور التي عرضت للبيع في حياتنا اليومية، رغم سوء وفظاعة شرائها بالمال، ولكن بعض الناس قد يقتنع بقناعة «مرجان» ويطبق نظريته الشرائية في حياته، مقتنعا أنه يستطيع بالمال أن يشتري كل شيء! تلك النظرة يمكن أن تخلق خسائر ذاتية كبرى مع فقدان كل مبدأ أو قيمة حقيقية عندما تباع القيم والمبادئ الإنسانية وتتحول الذمم إلى سلعة تباع وتشترى بسبب المال ومغرياته في حالة تساهل وتجاهل لأهم القيم التي علينا أن نحميها من التداول في بورصة المال.
وفي كل يوم أقرأ قصة لامرأة حاولت أن تستعيد ولاء زوجها في محاولة منها لإبعاده عن الزواج بأخرى باستخدام سلطة المال – لسان حالها أنها تريد أن تشتري عودته لها بأي ثمن! وقد صادفت خلال قراءاتي المتعددة عبر وسائل التواصل الاجتماعي عديداً من القصص التي تتودد بها المرأة لزوجها، لكي يعود إليها دافعة ثمن عودته من أعز مالها تاركة له رزم النقود وكلمات تعبر عن حبها ورغبتها في وضع فدية لها ولحياتها الأسرية ولرجوعه لها على الطريقة «المرجانية»، ولكن الأسئلة الكثيرة بعد كل قصة تظل تنقر رأسي.
فهل يا ترى يمكن أن تشتري المرأة هذا الأمل، وهل تتمكن أن تسأله إذا كان يريد أن يشرب شايا بالياسمين أو بأي نكهة أخرى؟ وهل سيقتنع الزوج بالعدول عن رأيه بعد زغللة النقود لعينيه فيصرف النظر عن رؤية أي امرأة أخرى رغبة في المال؟ وإلى متى سيستمر تأثير المال في خلق وصناعة استقرار أسري تم شراؤه ودفع ثمنه غاليا من مال المشتري؟ وهل يجب أن تدخل المقايضات المالية داخل الكيان الأسري الذي يعتبر اللبنة الأولى في المجتمع؟ كل هذه الأسئلة تقول إن النهايات غير المتوقعة هي التي ستحكم هذه القصص لأن مثل هذه العلاقات التي تقوم دعم فيتامين المال كي تحقق نجاحها ستفشل، بينما تظل هناك أمور معنوية ومهمة تلك التي يمكن أن تحافظ على الحياة الأسرية بعيدا عن هذه السلطة القوية بسلطة أقوى تبدأ من المودة والرحمة والصدق والثقة والتلاقي والمعاملة الحسنة، يدعمها من كل ما دعانا إليه ديننا من أولويات تنظيم الزواج والكيان الأسري، ذلك الذي يمكن أن يخلق الأمان الحقيقي للمرأة ويحقق سعادة الأسرة الدائمة التي لا ترتبط بعروض وصفقات، سيأتي يوم عليها لتصبح بالية وبلا معنى طالما أن الرابط الأساسي هو المحبة المتبادلة. إنني أعتقد أن شراء أي شعور بالولاء والانتماء في هذه العلاقة سيظل وهما تطارد المرأة ظلاله طوال عمرها، لتكتشف أنه سراب مؤقت كحفنة الماء تقبض عليها لتنساب هاربة من بين يديها وعبثا تحاول جمعها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٩٣) صفحة (١١) بتاريخ (١٤-٠٤-٢٠١٦)