فهد الرفاعي – مدرب هندسة كهربائية

فهد الرفاعي

فهد الرفاعي

الكهرباء ليست كتفاحة نيوتن التي سقطت على رأسه فأوحت له بموضوع الجاذبية، وليست كالعجلة التي اخترعها الإنسان وصنعها بيده وحركها وحركته ليجعل منها أفضل اختراع عرفته البشرية. وعندما بدأ الإنسان يفكر في ظاهرة الصواعق المصاحبة للعواصف، ومشاهدته المستمرة وميض البرق الساطع الذي يحول الليل نهاراً، وعندما بدأ يتساءل أكثر ما الذي يجعل البرق يومض؟ وما سبب حدوثه؟ وكيف يمكن محاكاة أو تقليد هذه الظاهرة على الأرض او في المعامل؟
بدأت عندها تتساقط على رأسه عديد ليس من تفاحات نيوتن، بل عديد من الأسئلة الحائرة التي تبحث عن إجابات مقنعة قادت الإنسان المفكر والمتدبر في خلق الله أن يحاول الإجابة عليها على مدى قرون من الزمن.
فالكهرباء، لا نراها، ولا نسمعها، ولا نشمها، ولا نلمسها، ولا نتذوقها بطبيعة الحال، وكل حواسنا الخمس تقف عاجزة عن تفسيرها أو تحديد مكانها، وكل ما يمكن أن يفسر لنا وجود الكهرباء، هو فقط تطبيقاتها التي تعمل بواسطتها! فالمصباح الكهربائي لا معنى له ما لم يضئ، ولكن ما الذي جعله يضيء؟ إنها الكهرباء، سخان الماء الكهربائي، لا معنى له ما لم يرفع درجة حرارة الماء ويجعله ساخنا، فمن جعله ساخناً؟ طبعا ستقول الكهرباء.
ولولا هداية الله للعقل البشري لما أدرك الإنسان أن هناك نعمة تسمى الكهرباء، فسخَّر الله لذلك علماء الرياضيات والفلك والكيمياء وكل التخصصات ليكتشفوا لنا أخيرا أن الكهرباء موجودة منذ القدم، بل إن بعضهم يرى ومنهم الدكتور مصطفى محمود رحمه الله، أن الكهرباء قد خلقها الله قبل المادة، لأن المادة تكونت بفعل الكهرباء، وكل شيء في الكون به كهرباء إلا أنها متعادلة، فالمشط الذي ترتب به شعرات رأسك قبل أن يغزوك الصلع – لا قدر الله – به كهرباء، والسجادة التي تمشي عليها بها كهرباء، وجدار غرفتك به كهرباء، وأصبعك الذي تحرك به التطبيقات في جهازك الذكي (الجوال) إنما هي تعمل بالكهرباء، وعضلات جسمك التي تحرك هيكلك العظمي إنما تعمل بإشاراتٍ كهربائية يطلقها مخك، ومخك المعقد التركيب الذي يعمل بمنزلة كمبيوتر بجسمك إنما يعمل بنبضات كهربائية مرسلة ومستقبلة، وقلبك لا يكاد له قيمة مالم تحركه نبضات كهربائية.
وإن فشل هذا القلب أو توقف فسوف يلجأ الأطباء لتنشيطه بالكهرباء، وعندما يختل عقلك فسوف يلجأ طبيبك النفسي لجلسات الكهرباء ليقوم عقلك ويعقله، وسيارتك الميكانيكية المعقدة ذات التقنيات المتعددة ستتوقف عن العمل إذا فقدت الكهرباء (البطارية)، وكل قطرة ماء تشربها إنما هي كهرباء، فما فائدة المياه في باطن الأرض ما لم تخرج بمضخات الكهرباء، وما فائدة مياه البحار والمحيطات ما لم تنقها وتحلها محطات تعمل بالكهرباء، وكل هذا عندنا أصبح غير محسوس وغير مقدّر، فأصبحت الكهرباء من مسلّمات حياتنا بل باتت من أول الأولويات حتى قبل الماء والهواء -دون مبالغة – فهل من المبالغة أن ترى وتسمع عديدا من الحملات الإعلامية لترشيد الكهرباء، فابدأ بنفسك وأسرتك وساهم بالمحافظة على هذه النعمة، وكن رشيداً والتزم بالترشيد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٩٣) صفحة (١٠) بتاريخ (١٤-٠٤-٢٠١٦)