عباس المعيوف

عباس المعيوف

بعض من الناس عندما يحاورك في موضوع ما، يتكلم وهو على يقين أنه سيدخل الجنة، وأنت ستدخل النار، أمثال هؤلاء من الصعب الاتفاق معهم في نقطة واحدة (أقول تيس يقول حلبه) فهم يحاكمونك بالنيات وهم عند ربهم من الصادقين، فالاختلاف معهم يعني الخروج عن طاعة الله والارتماء في حضن الشيطان.
ثقافة التشدد هي ليست تشدداً كما يراها المتشددون، باعتبار أن إقامة الحق لا تأتي إلا بالقوة والقهر، وهذا ليس محض صدفة، بل مرتبط مباشرة بالمحيط الاجتماعي والثقافي الذي تربوا فيه، ومن أبرز علاماتهم هي:
• لغة التخويف
بمعنى الجزاء والعقاب؛ فتجد حديثهم مسلطاً بشكل مكثف على آيات العذاب والوعيد والموت والنار والعقيدة والانحراف والحذر من كتب الضلال وأئمة الضلال، ويطالبونك بتسجيل موقف علني ضد رموز ذلك التيار وفضحهم على رؤوس الخلائق!!
• الحكم على النيات
ويكون ذلك من خلال التصور الذهني الناتج من حوار فكري أو ديني أو ثقافي خارج إطار المتعارف عند أهل العلم، وهذا يقع فيه كثير من العوام وأشباه العوام ممن ينتسب إلى طلب العلم مع الأسف، في حين تغيب نظرة إحسان الظن التي هي عنوان الأخوة في الإسلام.
• العبادة بالكم وليس بالنوع
هكذا عنوانهم إقامة كل مستحب وواجب بطريقة تدعو للرفق بهم، يقول الإمام علي عليه السلام (نَبِّهْ بَالتَفَكُّرِ قَلْبَكَ وَجافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ وَاتَّقِ اللهَ رَبَّكَ)، وما يثير الاستغراب أن عنوان المؤمن عندهم بالارتباط بالله دون فكر، فصلاة 1000 ركعة هي أحب إلى الله من تفكر ساعة، حتى لو قلنا إن التفكير له مساحة في حياتهم فهو متعلق حول حجم الاختلاط وعمل المرأة والانحلال الاخلاقي في المجتمع؟!
• تعطيل جانب التفكير والتفكر
أفضل عبادة القائمة على معرفة الله في أرضه؛ فالتفكُّر هو مفتاح أبواب المعارف وخزائن الكمالات والانطلاق نحو أفق أوسع، وهذا لن يتحقق إلا بالاطلاع والقراءة والانفتاح وليس الذوبان في الآخر، يقول المفكر الإسلامي إبراهيم البليهي: الأصل في تفكير الإنسان أنه محكوم بقضبان العادات الذهنية، فلا يخرج عن القضبان إلا بصدمة تنتشله من الغبطة البليدة.
• احتكار الحق
بمعنى حصر الفتوى والاجتهاد والتحليل والتحريم لهم، ولا قيمة للمخالفين في التيارات الأخرى، وأحياناً في نفس التيار الواحد.
• البحث عن أعداء جدد
ويأتي ذلك من قص ولصق المخالف بتهم فهمت منه بطريقة خاطئة في حوار ما أو نقاش فكري ما، حتى يسقط اجتماعياً ودينياً وأقرب تهمة ممكن أن تلصق به (حداثي) – مسكين راح في خرايطها – أو على قول المثل الشعبي (تجيك التهايم وأنت نايم).
لغة التشدد مرفوضة ومبغوضة دينياً فكيف ثقافياً؛ لأنها تنفر الناس من الدين. الآن ما أحوجنا لنرغب المجتمع في الإسلام السمح والشمائل المحمدية وتقديم ثقافة الحب والتسامح مع الجميع، حتى ولو كانوا في طريق الانحراف لعل وعسى يرجعون لما كانت عليها فطرتهم السليمة التي طمستها ثقافة الإقصاء والتسقيط.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٩٧) صفحة (١٠) بتاريخ (١٨-٠٤-٢٠١٦)